Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 16, 2026
A A A
تقدير موقف على ضوء مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية
الكاتب: د. عادل مشموشي

كتب د. عادل مشموشي في “اللواء”:

في منطقة اعتادت أن تدار أزماتها على نتائج الحروب أكثر مما تدار على طاولات التفاوض، تثير أية إشارة إلى التفاهم الأميركي – الإيراني اهتماما يتجاوز حدود الحدث نفسه ليطال مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية برمتها. وإن صح ما يرشح من فحوى ما تضمنته مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران من بنود، بحيث أنها تقضي بوقف الأعمال الحربية المباشرة وغير المباشرة على مختلف الجبهات، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مع إرجاء البحث في الملفات الأكثر تعقيدا، وفي مقدمتها البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين وشبكة النفوذ الإقليمي. فإن هذه المذكرة تستوجب قراءة تتجاوز ظاهرها الدبلوماسي لاستشراف ما قد تخفيه من حسابات استراتيجية متعارضة.
فالسوابق التاريخية تدل على أن التفاهمات التي تنشأ في ظروف الأزمات الحادة لا تكون بالضرورة مقدمة لسلام دائم، كما أنها لا تعدو عن كونها مجرد هدنة عابرة. وكثيرا ما تشكل مرحلة انتقالية تسمح للأطراف بإعادة ترتيب أوراقهم وتقييم موازين القوى قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من الصراع أو التفاوض. ومن هذه الزاوية، تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى أداة لإدارة النزاع وتجميد بعض مظاهره الخطرة منها إلى تسوية شاملة دائمة تعالج أسبابه العميقة.

فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد يكون الدافع الأساسي وراء مثل هذا التفاهم، الذي أدى إلى تباين حاد في المواقف بينها وبين حليفتها إسرائيل، تجنب الانزلاق مجددا في حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن التكهن بمداها أو كلفتها. فالخبرة الأميركية في الشرق الأوسط خلال عقود من الزمن أظهرت أن الحروب تبدأ عادة بأهداف محددة، لكنها كثيرا ما تنتهي بنتائج مختلفة تماما عما خطط له. وأن أية مواجهة واسعة مع إيران (بحكم موقعها الجغرافي) ومن خلفها باقي مكونات محور الممانعة، تنطوي على مخاطر تهديد الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، فضلا عن احتمال اتساع رقعة المواجهة لتشمل ساحات متعددة من الخليج العربي إلى شرق المتوسط.
هذا عدا أـنه لا يمكن فصل السلوك الأميركي عن التحولات الأوسع في الاستراتيجية الدولية لواشنطن. فالأولوية الأميركية، كقطب مهيمن عالميا، لم تعد محصورة بالشرق الأوسط، بل مرتبطة بالتنافس مع الصين في آسيا وبإدارة المواجهة مع روسيا واحتواء أوروبا. ومن ثم قد يكون من مصلحة صانع القرار الأميركي احتواء التوتر مع إيران ضمن حدود يمكن التحكم بها بدلا من استنزاف الموارد في حرب طويلة وغير مضمونة النتائج.
أما إيران، فتنظر إلى هذا التفاهم على أنه فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من العقوبات والضغوط الاقتصادية والمواجهات المتعددة الساحات التي كلفتها الكثير بشريا وعسكريا ولوجستيا وماليا. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تخليها عن مرتكزاتها الاستراتيجية الإقليمية أو عن برنامجها الصاروخي الذي تعتبره أحد أهم عناصر الردع لديها. ولذلك قد ترى في التفاهم وسيلة لتخفيف الضغوط المباشرة وإعادة تنظيم أولوياتها الداخلية والإقليمية من دون تقديم تنازلات تمس جوهر نظامها عقيدته الإيديولوجية وتطلعاته القومية الاستراتيجية.
ومن هنا تبرز إحدى الإشكاليات الأساسية في أي تفاهم محتمل بين الطرفين. فالقضايا التي يسهل الاتفاق حولها عادة هي تلك المرتبطة بإدارة الأزمات ومنع التصعيد، أما القضايا المتعلقة بمصادر القوة الاستراتيجية فتظل غالبا خارج دائرة الحلول السريعة. ولذلك فإن استبعاد الملف النووي والصواريخ الباليستية كما النفوذ الإقليمي من إطار التفاهم «إن صح ذلك»، لا يعني انتهاء الخلاف حولهما، بل يعني على الأرجح تأجيله لصعوبة البت فيه.

أما إسرائيل الطامحة إلى تحقيق أهدافها التوسعية وفرض هيمنتها على المنطقة، وجدت نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يوفر وقف الأعمال الحربية مستوى من الهدوء غير المرغوب فيه، ويحد من فرص القضاء على النظام الإيراني. ومن جهة أخرى، قد تنظر إلى أي تفاهم لا يتناول القدرات العسكرية الإيرانية وشبكة حلفاء إيران الإقليميين، على أنه غير كاف لمعالجة هواجسها الاستراتيجية، الكامنة في ما تعتبره مصادر تهديد أساسية لأمنها واستقرارها. كل هذا ولد التباين بين الرؤية الأميركية التي تركز على إدارة المخاطر آنيا، والرؤية الإسرائيلية تركز على إزالة مصادر الخطر تعاظمها.
وفي هذا السياق تبرز أيضا مسألة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي. حيث نجد أن إدارة ترامب اندفعت نحو التصعيد مع إيران من دون تنسيق كاف مع العواصم الأوروبية الرئيسية، وبكن سرعان ما تبين أن رهان ترامب على إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني أو إسقاطه لم يكن واقعيا، وجاء التحفظ الأوروبي على الانخراط العسكري مباشرة في الحرب كرد لصفعة التجاهل بعدم التشاور قبل إطلاق شرارتها الأولى.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه أميركا مع الشرق الأوسط من باب مصالحها ومصالح إسرائيل، تنظر الدول الأوروبية الكبرى إليه من زاوية الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية والهجرة غير الشرعية. وهي تدرك أن انهيار دولة بحجم إيران قد لا يؤدي بالضرورة إلى نشوء نظام أكثر اعتدالا، بل قد يفتح الباب أمام فراغ أمني واسع النطاق وفوضى إقليمية قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط ويجعل من أوروبا أكثر ارتهانا لأميركا. ورغم ذلك كانت لتشارك في هذا الحرب لم تقص عن شرف المشاركة واقتسام المغانم، لإن الموقف الأوروبي لا يعبر عن تعاطف مع إيران، بقدر ما هو تعبير عن المصالح وتقدير للمخاطر المحدقة بأوروبا.
وليس بعيدا عن ساحة الحرب، دول الخليج، وضعها أكثر تعقيدا وحراجة. وخاصة بعد أن أضحت أراضيها ومنشآتها أهدافا إيرانية، وأضرت الحرب بمصالها وكشفت الحرب لها حقيقة النوايا الإيرانية تجاهها. ومع ذلك، أبدت عواصمها طيلة فترة الحرب ميلا واضحا نحو التهدئة والالتزام بعدم الرد. قد يبدو هذا التوجه متناقضا مع منطق الأمور وحق الدول في الدفاع عن نفسها، إلا أن التزامها لضبط النفس يرد لكونها لا تقيس أمنها القومي بمعايير عسكرية صرفة، بل تربطه بالأمن الاقتصادي والاستقرار الاستثماري ومشاريع التنمية. وبالتالي فإن إطالة فترة هذه الحرب الإقليمية أو توسيع رقعتها يهدد إنجازاتها الاقتصادية والاستثمارية، وقد يتسبب في تعطيل مشاريعها الاستراتيجية التي تتجاوز من حيث أهميتها أية مكاسب قد تتحقق بإضعاف خصمها الإيراني، ومن هنا ينبع حرصها على إنهاء الحرب، إلا أن هذا لا يعكس ثقتها بتغير النوايا الإيرانية حيالها.

لبنان الذي أقحم بهذه الحرب كرها، يبقى الحلقة الأكثر هشاشة في المعادلات الدولية والإقليمية، وهو أكثر المتأثرين بهذا التفاهم على الرغم من عدم مشاركته في صنعه. ورغم محاولات السلطة الشرعية في لبنان فك الارتباط ما بين ما يحصل في لبنان عما يحصل في الجانب الإيراني، أصر الأخير على شمول الترتيبات التي اتفق عليها الجبهة اللبنانية. وما يزيد الأمور تعقيدا في لبنان هو تعمق الانقسام الداخلي حول قضايا مفهوم السيادة ودور حزب الله الإقليمي ومصير سلاحه. وهذا ما يجعل من الصعب أن تحمل أية تهدئة مؤقتة حلا للمعضلة اللبنانية، وبخاصة في ظل إصرار إيران على دعمها للحزب خارج إطار الدولة.
وفي المقلب الآخر نرى أن كلا من روسيا والصين تتابعان التطورات من زاويتين مختلفتين. فموسكو قد ترى في أي تفاهم أميركي – إيراني فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في الساحتين الأوكرانية والسورية، والسعي ولفرض نفسها كوسيط في ترتيبات الأمن الإقليمي. أما بكين فتنظر إلى استقرار طرق التجارة والطاقة، باعتباره أولوية أساسية، مع حرصها الدائم على تعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في منطقة تشكل ساحة مهمة للتنافس الدولي.
هذا التقييم المتجرد يدعونا للقول إن إقرار المذكرة على الرغم من أهميته، إلا أن ما هو أهم لم يشر إليه في المذكرة، ويكمن في الملفات التي علق البت فيها. وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تبقى عامل النجاح أية حلول مستدامة على مستوى المنطقة، ذلك أن فشل مقاربات الحلول السابقة أثبت مرارا أن تجاهلها يحمل بذور التوتر وعدم الاستقرار، لذا لا يمكن تصور أي حل مستدام ما لم يصر إلى تبني حل للقضية الفلسطينية، وهذا ما تحرص عليه المملكة العربية السعودية.
وعليه فأن أي تفاهم مهما بلغت أهميته، سيبقى منقوصا إن بني على منطق إدارة الأزمات من دون مقاربة أعمق لجذور الصراع في منطقة الشرق الأوسط. وهذا ما يدعونا للاعتقاد أن مذكرة التفاهم ستبقى مجرد استراحة مؤقتة بين جولات الصراع، وآلية لشراء الوقت وإعادة التموضع القتالي استعدادا لمواجهات أعنف، ولن تكون منطلقا لمسار جديد نحو الاستقرار في المنطقة ما لم تنجح الأطراف المعنية في تحويل فترة الستين يوما إلى مسار تفاوضي أوسع وأعمق، يتصدى لمعظم الملفات الهامة العالقة.
لقد اكتسبت التهدئة جاذبية سياسية متزايدة، ليس لأن أسباب الصراع قد سويت، بل لأن الحرب مرتفعة الكلفة ونتائجها غير مضمونة، ولأن أي انفجار شامل قد يخرج عن قدرة الأطراف الحاليين على ضبطه، وهذه الأمور أضحت جلية أمام القوى الفاعلة إقليميا وعالميا. عدا عن أن خصوم إيران الإقليميين يدركون جيدا أن حسم النتائج لن يكون لصالحهم إنما لصالح إسرائيل التي بدورها تعي أنها لن تستطيع بمفردها خوض غمار حرب إقليمية، بمعزل عن أميركا التي أدركت أهمية تشكيل تحالف دولي في حال قررت استئناف الحرب على إيران، التي إن أتيح لها النفاذ بنظامها الحالي، فستنضم إلى نادي الدول المؤثرة على الساحة الدولية.