Beirut weather 20.77 ° C
تاريخ النشر February 5, 2026
A A A
تعميم «اعرف عميلك» لكل 1000 دولار: مخالف للدستور والقانون
الكاتب: زينب بزي - الأخبار

قدّم عدد من المحامين طعناً بالتعميم الصادر عن حاكم مصرف لبنان والموافق عليه من المجلس المركزي في 12 تشرين الثاني الماضي بعنوان «أنموذج اعرف عميلك (KYC) الخاص بالعملیات النقدیة وبعملیات الصرافة»، والذي يلزم شركات الصرافة وتحويل الأموال ومزودي الخدمات الإلكترونية والمحافظ الرقمية، بتعبئة أنموذج اعرف عميلك لكل عملية تساوي أو تُجاوز الـ1000 دولار أميركي، إضافة إلى جمع معلومات العملاء وتحديثها.

وبرّر التعميم هذا الأمر بأنه يأتي «تماشیاً مع المعاییر الدولیة حول مكافحة تبییض الأموال وتمویل الإرھاب». غير أنّه في الواقع، يعتقد المحامون أنه قرار مخالف للقانون والدستور، فضلاً عن أنه أقرب إلى «عقاب جماعي» يفرض على العملاء الخضوع إلى نوع من التحقيق للحصول على مبلغ زهيد.

يقول المحامون في طعنهم إن التعميم يمثّل تجاوزاً لحدّ السلطة واعتداءً مباشراً على الحرية الاقتصادية والملكية الفردية المحميتين في مقدمة الدستور وفي المادة 15 منه، إذ إنّ أي تقييد لحرية التصرّف أو المبادرة الفردية يجب أن يصدر بقانون عن السلطة التشريعية، لا بتعميم إداري. كما يُسجل على التعميم مخالفته مبدأ تخصيص القاعدة القانونية، إذ إنّ قانون تنظيم مهنة الصرافة هو نصّ خاص حدّد بدقة آليات الرقابة والملاحقة والعقوبات. ورغم ذلك، أتى التعميم ليطبّق أحكاماً عامة من قانون النقد والتسليف على الصرافين، متجاوزاً النص الخاص الذي ينظّم مهنتهم، في مخالفة جسيمة لمبادئ تفسير القوانين وتدرّجها.

أيضاً يظهر من الطعن أنّ مصرف لبنان تعدّى على صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة التي منحت حصراً بموجب القانون صلاحيات التحقّق والتحقيق في الشبهات. ففي حين حصر القانون هذا الدور بهيئة محدّدة، نقل التعميم عملياً هذه الصلاحيات إلى شركات الصرافة والتحويل والمؤسسات المالية غير المصرفية، محوّلاً إياها إلى جهات تحقيق وتدقيق، من دون أي أساس قانوني. ويُضاف إلى ذلك مخالفة القانون 44/2015 لجهة التمييز بين العملاء الدائمين والعملاء العابرين، وهو تمييز نصّ عليه القانون صراحة. غير أنّ التعميم ساوى بين الفئتين وفرض موجبات موحّدة عليهما، في خروج واضح عن النص الذي استند إليه.

وبحسب الطعن، فإنّ التعميم أيضاً ينتهك مبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عليه في المادة السابعة من الدستور، إذ يفرض تدقيقاً وإفصاحاً صارمين على تحويلات متدنية القيمة تُجرى عبر شركات الصرافة، في حين تُطبق عتبات أعلى بكثير في القطاع المصرفي، ما يشكل تمييزاً غير مبرّر تبعاً لوسيلة التحويل لا لطبيعة العملية أو خطورتها.

أتى القرار على شكل «عقاب جماعي» لكل المواطنين من دون أي ذنب مثبت

وفي السياق نفسه، يُسجل انعدام واضح للتناسب بين الإجراء والخطر. فحتى مع الإقرار بوجود ضغوط مرتبطة باللائحة الرمادية، لا يبرّر ذلك تحويل جميع المواطنين إلى موضع شبهة، ولا إخضاع كل عملية مالية محدودة القيمة لتدقيق معمّق. فالمعايير الدولية المعتمدة تفرض استهداف العمليات ذات المخاطر العالية تحديداً، لا فرض نظام رقابي شامل يُعامل الجميع كمشتبه بهم. كما يثير التعميم إشكاليات خطيرة تتعلّق بسرّية البيانات وحمايتها، إذ يفرض جمع بيانات شخصية ومالية حساسة، وتخزينها لدى شركات صرافة وتحويل، ثم إرسالها خلال مهلة قصيرة إلى بريد إلكتروني واحد تابع لمصرف لبنان. وهو ما يطرح مخاطر جدية لجهة أمن هذه البيانات، وتساؤلات قانونية حول مشروعية احتفاظ هذه الجهات أساساً بكم واسع من بيانات المواطنين.

حتى الآن، ما يزال المسار القضائي غير واضح المعالم، ولا سيّما في ظلّ وجود ضغوط غير معلنة تمارس من أكثر من جهة رسمية، بينها وزارة العدل ومصرف لبنان، في اتجاه إسقاط الطعن. غير أنّ مصادر متابعة ترى أنّ هناك مؤشراً موازياً قد يكون ذا دلالة على الاتجاه القضائي المرتقب، يتمثّل في الطعن الذي قُدّم قبل نحو شهر بوجه تعاميم وزير العدل عادل نصار التي وُجهت إلى كتّاب بالعدل حول مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ففي حال صدر قرار بوقف تنفيذ تلك التعاميم، قد يشكّل الأمر إشارة جدّية إلى إمكان سلوك المسار نفسه في ما يتعلّق بتعميم مصرف لبنان. ومع ذلك، تبقى هذه التوقعات رهينة التوازنات القائمة، في دولةٍ غالباً ما تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الضغوط السياسية و«المصرفية»، وتُدار ملفاتها القضائية على إيقاع بطيء أو تُحفظ داخل «الجوارير»، كي لا يُصاب «السلم المصرفي» أو «الرضى الخارجي» بأي مكروه.

توافر الصفة
ينطلق الطعن المقدم من توافر الصفة لدى الطاعنين. فواقع الممارسة المهنية يفرض على المحامين، بحكم وكالاتهم القانونية، إدارة أموال موكّليهم وشركاتهم، وتشغيل محافظ إلكترونية، وإجراء تحويلات وتصريف عملات، ما يعني أنّ فرض قيود إضافية على هذه العمليات لم يعد إجراءً تقنياً، بل ينعكس مباشرة على موقع المحامي العملي وقدرته على أداء مهماته، ويُحمّله أعباء ومخاطر مهنية ومادية لا سند قانونياً لها.

كما إن التعميم المطعون فيه يمسّ بجوهر سرّية المهنة، إذ لا يمكن إجبار المحامي، أثناء إدارة أموال موكّله، على الإفصاح عن معلومات تتعلّق بالموكل ومصدر أمواله، ما يضعه في حالة تعارض قسري بين واجبه المهني بالمحافظة على السرّية وبين الامتثال لتعميم إداري، وهو تعارض لا يجوز فرضه قانوناً.

كذلك يستند الطعن إلى الاستثناء الواضح الذي منحه قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الرقم 44/2015 للمحامين، ولا سيّما في المادة الخامسة منه، إذ أناط تنفيذ موجبات الامتثال بآلية خاصة تضعها نقابتا المحامين.

إلا أنّ التعميم الصادر عن مصرف لبنان قلب هذا النظام، وحوّل المحامين من منفّذين للموجبات إلى خاضعين للتدقيق من قبل شركات صرافة وتحويل، في مخالفة صريحة لإرادة المشرّع ولمبدأ استقلالية المهنة.