Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر May 14, 2026
A A A
تعديلات قانون إصلاح المصارف: ما الذي تغيّر؟

كتب ماهر سلامة 

تعيد التعديلات المُقترحة على قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها صياغة أجزاء واسعة من القانون الصادر عام 2025، عبر تعديل التعاريف، وتوسيع صلاحيات الجهات الرقابية، وإعادة ترتيب آليات التدخّل في المصارف المتعثّرة أو تصفيتها، بما يؤدّي عملياً إلى التركيز على التفاصيل المتعلّقة بتحديد الفئات المعنية، والجهات التي تقرّر، والإجراءات التي يمكن استخدامها عند معالجة أوضاع المصارف، بدلاً من اعتبار القانون مجرّد إطار عام.

 

أول تغيير بارز يظهر في باب التعاريف. ففي النسخة القديمة، كانت التعاريف أكثر عمومية، ثم جاءت التعديلات لتوسّع فيها. وعُدّل تعريف «المودع» ليشمل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين، مع الإشارة إلى أصحاب حسابات الودائع وشهادات الإيداع، كما أُدخلت تمييزات بين أنواع الودائع والمطلوبات، وجرى تعريف مؤسّسات القطاع المالي والمؤسّسات المرتبطة بالمصرف، وعُدّلت تعريفات مثل «المساهم الكبير» و«الأموال الخاصة». عملياً، صار باب التعاريف أكثر تفصيلاً لأنه يحدّد، منذ البداية، من هي الفئات التي سيُطبّق عليها القانون وبأيّ صفة.

 

التغيير الثاني يتعلق بنطاق تطبيق القانون والجهات التي تدخل ضمنه. ففي النسخة القديمة، كان النص يُطبّق أساساً على المصارف العاملة في لبنان وفروع المصارف الأجنبية، مع تركيز مباشر على المصرف نفسه. أمّا التعديلات المُقترحة فتوسّع النظرة إلى محيط المصرف أيضاً، من خلال إدخال أو توضيح وضع «المؤسّسات المرتبطة» به، أي الشركات أو الكيانات التي يملكها المصرف أو تملك فيه أو تكون مرتبطة به مالياً أو إدارياً. وهذا التوسيع مهم لأن إصلاح وضع المصارف لا يتوقّف فقط على ميزانيته المباشرة، بل قد يحتاج أيضاً إلى النظر في علاقته بفروعه وشركاته التابعة ومساهميه الكبار والمؤسسات المالية المرتبطة به.

 

كما أن التعديلات تركّز على تحديد الجهات الرسمية التي يمكن أن تتدخّل في مراحل الإصلاح أو التصفية. فمصرف لبنان يبقى المرجع النقدي والرقابي الأساسي، ولجنة الرقابة على المصارف تتولّى متابعة أوضاع المصارف ورفع التقارير، فيما تُمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحية القرار في إجراءات الإصلاح أو التصفية. وإلى جانب هذه الجهات، يظهر دور الهيئة الوطنية لضمان الودائع في ما يتعلق بالودائع المضمونة، ودور هيئة الأسواق المالية عندما تكون هناك أدوات مالية أو أسهم أو سندات تدخل ضمن عملية المعالجة. بذلك، لم يعد نطاق القانون محصوراً بالمصرف ككيان منفرد، بل صار يشمل شبكة أوسع من الجهات والمؤسسات التي يمكن أن تتأثّر بعملية الإصلاح أو تشارك في تنفيذها.

 

التعديلات تركّز على تحديد الجهات الرسمية التي يمكن أن تتدخّل في مراحل الإصلاح أو التصفية

 

 

أمّا التعديل الأهمّ على مستوى الصلاحيات، فيتعلق بالهيئة المصرفية العليا. ففي النص القديم، كانت الهيئة حاضرة كجهة قرار في ملفات المصارف المتعثّرة. أمّا التعديلات المُقترحة فتجعل دورها أكثر مباشرة في إدارة مسار الإصلاح أو التصفية، إذ تتلقّى تقارير لجنة الرقابة، تعتمد أو تطلب التقييمات اللازمة، تقرّر التدّخل في المصرف، وتختار بين أدوات الإصلاح أو الانتقال إلى التصفية. كما تمنحها صلاحية تعيين مدير مؤقّت للمصرف وتحديد صلاحياته ومتابعة عمله.

 

وإلى جانب هذا التوسيع في دورها، أعيد تنظيم عمل الهيئة من خلال التمييز بين غرفة مختصة بالعقوبات وغرفة مختصة بإصلاح وضع المصارف وتصفيتها، مع إضافة قواعد للنصاب، وآلية التصويت، وحالات تضارب المصالح، والتصاريح التي يجب أن يقدّمها الأعضاء قبل النظر في ملف مصرف مُعيّن.

 

وتعزّز التعديلات أيضاً دور لجنة الرقابة على المصارف. فبعدما كان دورها في النص القديم مرتبطاً بالرقابة ورفع التقارير، أصبح حضورها في النص المُعدّل أكثر تفصيلاً في مراحل تقييم المصرف ومتابعة أوضاعه. فهي الجهة التي تراقب مؤشرات التعثّر، وتطلب المعلومات، وترفع التقارير إلى الهيئة المصرفية العليا، ويمكن أن تقترح الاستعانة بمقيّمين مستقلين. كما توضح التعديلات أن تقييم وضع المصرف، وموجوداته، ومطلوباته، وخسائره، يصبح خطوة أساسية قبل اتخاذ قرار الإصلاح أو التصفية.

 

ومن التغييرات اللافتة أيضاً، إدخال تنظيم أوضح لوظيفة المدير المؤقّت. فالتعديلات تمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحية تعيين مدير مؤقّت عند الحاجة، وتحدّد شروط تعيينه وصلاحياته وحدود عمله. ويُفترض أن يتولى هذا المدير إدارة المصرف أو الإشراف عليه خلال مرحلة التدخل، وأن يطّلع على سجلّاته، ويطلب المعلومات، ويرفع التقارير، ويقترح الإجراءات المناسبة. كما تضيف التعديلات قواعد لمنع تضارب المصالح بين المدير المؤقّت والمصرف أو مساهميه أو المؤسّسات المرتبطة به.

 

إصلاح وضع المصرف قد يحتاج إلى النظر في علاقته بفروعه وشركاته التابعة ومساهميه الكبار والمؤسسات المالية المرتبطة به

 

 

كذلك، تفصّل التعديلات أدوات إصلاح وضع المصرف أكثر مما كان وارداً في النص القديم. فهي تشمل خفض بعض المطلوبات، أو تحويلها إلى أسهم أو أدوات مالية، أو نقل أصول ومطلوبات إلى مصرف آخر، أو إنشاء مصرف مؤقّت، أو إعادة ترتيب الالتزامات، أو وقف بعض العمليات لفترة محدّدة. وتظهر في النص المُعدّل محاولة لتنظيم ترتيب تحمّل الخسائر بين المساهمين والدائنين والمودعين وفق الفئات المحدّدة في القانون.

 

وفي ما يتعلق بالتصفية، تضيف التعديلات مساراً أكثر تفصيلاً من النص القديم. فهي تنظّم تعيين المصفّي أو لجنة التصفية، وإعداد خطة التصفية، وبيع الأصول، وتحصيل الديون، وإنهاء بعض العقود، وتوزيع العائدات بحسب الأولويات. كما تتضمّن أحكاماً تسمح بمراجعة بعض العمليات السابقة التي يمكن أن تكون قد مُنحت أفضلية غير مُبرّرة أو أضرّت بالمصرف أو بالدائنين.

 

وتشمل التعديلات أيضاً أحكام الطعن وتبادل المعلومات. فهي تحدّد مسار الطعن بقرارات الهيئة المصرفية العليا أمام المحكمة المختصة، لكنها تمنع، في حالات محدّدة، أن يؤدّي الطعن تلقائياً إلى وقف إجراءات الإصلاح أو التصفية. كما تعدّل بعض الأحكام المرتبطة بالسرية المصرفية وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، بما يسمح للهيئات المختصة والمدير المؤقّت أو المصفّي بالحصول على البيانات المطلوبة لتنفيذ مهامّهم.