Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر March 4, 2026
A A A
تضامن شعبي يقابل غياب الدولة وخطط الطوارئ
الكاتب: رضا صوايا

كتب رضا صوايا في “الأخبار”:

في أقل من ساعة تحوّل قرابة مليون شخص يقيمون في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت إلى نازحين. بعد الغارات الفجر الإسرائيلية يوم الأحد، والتي استهدفت الضاحية الجنوبية، والجنوب، والبقاع، وما رافقها من طلبات إخلاء لعشرات القرى والبلدات، عاد مشهد النزوح الداخلي ليحتل الواجهة. في لحظة واحدة خرجت آلاف السيارات إلى الطرقات، وعلقت الناس في زحمة استمرّت لأكثر من 24 ساعة في بعض الحالات.

وعلى الرغم من أنّ الحرب الماضية مرّ عليها سنة و3 أشهر فقط، إلا أنّه وكما في العدوان السابق برز حجم الانكشاف الاجتماعي الذي تلى الصدمة والهروب الجماعي لمئات الآلاف من التائهين في الطرقات. حتى بعد مرور أربع وعشرين ساعة، لا يزال هناك أشخاص عالقون على الطرقات، ولم تكن مراكز الإيواء ولا الخطط الطارئة هي الوجهة الأولى المنقذة، بل منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت لأداة استغاثة ومناشدات، كما و طوق نجاة ومد يد العون والمساعدة. «فقراء يتكلون على فقراء»، هكذا يمكن أن يوصف المشهد، فيما لم تخل الساحة من جشع بعض مستغلي الأزمات.

طلبات النازحين ليست صعبة لو قرّرت الدولة أن تكون دولة، فالكثير منها اقتصرت على أبسط الاحتياجات. أحد العسكريين مثلاً كتب، «أنا عسكري بدي أسألك إذا في حدا بمنطقة بنت جبيل يقدر يأمّنلي بنزين، ولو ٥ ليتر بس لأقدر أوصل ع ضيعتي».
من جهة ثانية، بحثت عائلات بأسرها مع أطفال ومرضى دون طائل عن مراكز ايواء. بالنسبة لبعضهم كان توفر الكهرباء ضرورياً لكي لا ينقطع النفس لا أكثر. احدى العائلات ذكرت انها تضم «ستة أشخاص، مع طفل ومسن مريض يحتاج إلى ماكينة أوكسيجين، تبحث عن شقة مفروشة يكون فيها كهرباء واشتراك». أما العائلات التي ذكرت ان معها نساء حوامل، فعددها بالعشرات. وكثر نقلوا مشاهداتهم من المطاعم والمتاجر التي التجأ اليها الناس طلباً لقضاء حاجة واستخدام الحمام.

الفقراء تطوعوا لمد يد العون
على إثر المشاهد الإنسانية على الطرقات، أعلن أحد المواطنين أن «وضعي على قدي، بس مش قادر غير إني ساعد حدا… إذا في عيلة مش كبيرة وخاصة إذا معن ولاد صغار، بستقبلن الليلة». هكذا تحوّل الفضاء الرقمي إلى شبكة أمان بديلة في ظل غياب الاستجابة المؤسسية السريعة.

في المقابل، برز وجه آخر للمجتمع يهيمن عليه الطمع وغياب الشفقة. ففي لحظة خوف جماعي، تحوّل السكن إلى سلعة مضارَبة. شكاوى كثيرة تحدث عنها نازحون ووثقوها بصور محادثات عن طلبات إيجار خيالية تخطت الـ1000 دولار في الكثير من الاحيان مع اشتراط دفعات مسبقة لعدة أشهر سلفًا، تحت ذريعة «ارتفاع الطلب» و«المخاطر الأمنية».

وزاد من أزمة السكن تعقيداً اتخاذ عدد كبير من البلديات قرارات استثنائية لضبط حركة التأجير من خلال تعاميم شبه متشابهة تطلب من أصحاب الوحدات السكنية عدم إجراء أي تأجير عشوائي، وإبلاغ البلدية مسبقًا والحصول على موافقتها الخطية قبل إتمام أي عقد، مع التصريح عن أي نازح أو وافد وتزويدها بنسخ عن المستندات الثبوتية قبل وصولهم. مع التلويح بمساءلة قانونية بحق المخالفين.
واقع دفع بأعداد كبيرة من الناس الى تفضيل العودة الى مناطقهم وقراهم المهددة على تحمل الذل والاستغلال والتعامل مع كل يوم بيومه.

أما الطرقات التي أسر فيها النازحون لساعات طويلة فتحولت بدورها الى مجتمع ينبض بالحياة رغم قلة الموارد وهروب الغالبية العظمى من الناس «بلا ولا شي».