Beirut weather 9.1 ° C
تاريخ النشر February 27, 2026
A A A
ترامب يتسلّح بالصواريخ الإيرانية!
الكاتب: عماد مرمل

كتب عماد مرمل في الجمهورية 

 

 

فوق حبل ديبلوماسي رفيع، ووسط أعصاب مشدودة في المنطقة، انعقدت جولة التفاوض الثالثة وغير المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران التي قدّمت مقترحاً لمشروع اتفاق نووي، من شأنه أن يُحدِّد مسار المرحلة المقبلة تبعاً للردّ الأميركي عليه.

 

من حيث المبدأ، تبدو فرص نجاح محاولات جسر الهوّة بين واشنطن وطهران ضعيفة، في ظل أزمة الثقة والمفاهيم التي ترخي بظلالها على المفاوضات، من دون أن يعني ذلك الاستبعاد الكامل لـ«المعجزة الديبلوماسية» التي قد تمرّ من خرم الإبرة في لحظة الحقيقة.

 

 

 

أمّا بعيداً من فرضية المعجزة وقدرة الوسيط العماني على تحقيقها، وهو الذي أوضح أنّ الجانبَين منفتحان على مناقشة أفكار مبتكرة وخلّاقة، فإنّ حسابات الورقة والقلم تعكس وجود صعوبات هائلة أمام مسعى اجتراح تسوية ترضي الطرفَين معاً، خصوصاً أنّ الرئيس الأميركي يتعاطى مع الإيرانيِّين من موقع الفوقية والتفوّق، في حين أنّ منطق التسوية يتطلب الندّية والتكافؤ. بالنسبة إلى دونالد ترامب، موازين القوى لا تسمح لإيران بالمساومة ولا تعطيها ترف التفاوض الندّي على مكاسب وتنازلات متبادلة. في المحصّلة، هو يعتبر أنّ المطلوب منها الإستسلام والرضوخ لمطالبه على وقع تحشيد حاملات الطائرات حولها، مبدياً استغرابه كيف أنّها لم تخضع بعد على رغم من كل الضغوط التي تتعرّض لها.

 

 

 

في المقابل، تبحث طهران عن اتفاق عادل ومتوازن وفق تصريحات وزير خارجيّتها عباس عراقجي. بمعنى آخر هي ليست مستعدة للقبول بأي حل وبأي ثمن تحت وطأة التهديد والتهويل. إنّه اللعب على حافة الهاوية، الذي لطالما اختبرته إيران في علاقاتها مع الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، إنما الفارق هذه المرّة هو أنّ تلك الحافة ضاقت كثيراً، وبات كل من طهران وواشنطن يقفان فوقها على أطراف الأصابع.

 

 

 

وإذا كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحترف حياكة «السجاد الديبلوماسي» التي تحتاج إلى التحلّي بنفس طويل، فإنّ طبع ترامب وطبيعته مختلفان تماماً، إذ هو مستعجل وليس لديه الصبر الاستراتيجي المعروف بأنّه فخر الصناعة الإيرانية، وبالتالي يريد بتّ الملف الإيراني سِلماً أم حرباً خلال وقت قصير، الأمر الذي يؤشر إلى أنّ الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في هذا الإتجاه أو ذاك.

 

 

 

واللافت ضمن الحرب النفسية التي يشنّها ترامب، تسلّحه خلال إلقائه خطاب «حالة الاتحاد» بالصواريخ الإيرانية نفسها لتعزيز موقعه واستمالة الرأي العام الأميركي، منبِّهاً إلى أنّ الإيرانيِّين «طوّروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستكون قريباً قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة».

 

 

 

وعلى المنوال نفسه، نسج وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي نبّه إلى أنّ إيران تحاول تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات يمكنها يوماً ما الوصول إلى أراضي الولايات المتحدة، معتبراً أنّ موقفها الرافض للبحث في ملف تلك الصواريخ يمثل مشكلة كبيرة.

 

 

 

وتلفت أوساط مواكِبة للتجاذب الأميركي – الإيراني إلى أنّ تخويف ترامب وروبيو من خطر استهداف الصواريخ الإيرانية للأراضي الأميركية يُعيد التذكير بتُهمة امتلاك العراق سلاح الدمار الشامل، التي كانت ذريعة لغزوه عام 2003 خلال ولاية الرئيس جورج بوش الإبن، قبل أن يتبيّن لاحقاً عدم صحة هذا الإتهام.

 

 

 

وتلاحظ الأوساط، أنّ التاريخ يبدو وكأنّه يستنسخ نفسه اليوم عبر ترويج إدارة ترامب لاحتمال امتلاك طهران صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة التي تبعُد، من ناحية ساحلها الغربي، نحو عشرة آلاف الكيلومترات عن إيران، مشيرةً إلى أنّ المقصود من هذا التخويف المصطنع تجهيز المبرّرات وتحضير الشعب الأميركي لإمكان شن حرب على الجمهوربة الإسلامية إذا أخفقت المفاوضات في تحقيق نتيجة إيجابية.

 

 

 

وإلى جانب مسألة الصواريخ الباليستية التي يمكن أن تُهدِّد بتفجير المسعى الديبلوماسي، في ظل رفض طهران مناقشتها وإصرار واشنطن وتل أبيب على طرحها، يواجه الشق النووي من المفاوضات تحدّيات كبيرة تتصل بمبدأ التخصيب وحجمه ونسبته ومكانه، ما يضع المسار التفاوضي على محك النيات المضمرة، خصوصاً لدى الأميركيِّين الذين ربما يحاولون فقط كسب الوقت من أجل استكمال استعداداتهم الميدانية للحرب.

 

 

 

لكن وعلى رغم من كل التعقيدات المتراكمة، يظل احتمال الخرق الديبلوماسي وارداً، بمعزل عن نسبته المئوية، خصوصاً أنّ ترامب هو من النوع الذي لا يجد حرجاً في الاستدارة متى اقتضت ضرورات «الصفقة» ذلك.