Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر July 6, 2026
A A A
ترامب ونتنياهو: على أحدهما إسقاط الآخر ليفوز
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

قد يكون اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أكثر من مجرد محطة تنسيقية بين حليفين كما كانت العادة؛ فكل منهما يدخل إليه هذه المرّة وهو يحمل استحقاقًا انتخابيًا مصيريًا، وكل منهما يحتاج إلى الآخر، لكن كل واحد يحتاج أيضًا إلى ما يناقض مصلحة الآخر. هنا تكمن المفارقة التي تجعل من اللقاء ساحة اختبار لمستقبل المنطقة، وليس مجرد مناسبة لتبادل المواقف.

ترامب يحتاج إلى تثبيت صورة الرجل الذي أنهى أخطر حروب الشرق الأوسط، لا الرجل الذي قاد إليها. فوقف الحرب مع إيران، وتحويل التفاهم معها إلى واقع مستقر، يشكلان بالنسبة إليه بوليصة تأمين انتخابية؛ لأنه يستطيع أن يقدم نفسه وحزبه للناخب الأميركي بوصفه الرئيس الذي منع حربًا إقليمية مفتوحة، وخفف أعباء الإنفاق العسكري، وأعاد الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وحمى الاقتصاد الأميركي من صدمة نفطية جديدة. لذلك لم يكن كلامه قبل زيارة نتنياهو عابرًا عندما قال إنه فوجئ بمشاهد تشييع السيد علي الخامنئي، بعدما قيل له إن النظام يواجه نقمة شعبيّة وإن الإيرانيين يكرهونه. الرسالة بدت وكأنّها مراجعة للمعلومات التي قادت إلى الحرب، ورسالة غير مباشرة لمن قدّم تلك التقديرات، ومضمونها: لقد دخلت الحرب على أساس صورة لم تكن مطابقة للواقع.

جاء الرد سريعًا من نتنياهو، صاحب المعلومات والتقديرات التي بنيت الحرب عليها، عبر التقليل من أهمية مشاهد التشييع واعتبارها استعراضًا منظمًا لا يعكس حقيقة الوضع الداخلي الإيراني. ولم يكن ذلك مجرد توصيف للمشهد الإيراني من زاويته، بل رسالة مضادة إلى ترامب تقول: لا تثق بما تراه، فما زال النظام ضعيفًا، وما زالت الفرصة قائمة لممارسة مزيد من الضغط، وربما لتحقيق ما لم تحققه الحرب.

هنا يبدأ التباعد الحقيقيّ بين الرجلين؛ فنجاح ترامب الانتخابي يحتاج إلى اليقين بأن الحرب انتهت، بينما نجاح نتنياهو السياسي يحتاج إلى بقاء الحرب، ولو على نار هادئة. فالحرب هي البيئة التي تؤجل الحسابات الداخلية في “إسرائيل”، وتعيد إنتاج صورة “القائد الضروري”، بينما السلام يفتح ملفات الإخفاق، ويعيد النقاش حول المسؤولية السياسية والعسكرية، ويقرب موعد المحاسبة.

لذلك لا تبدو المصادفة وحدها هي التي تفسر تنامي الأصوات داخل الولايات المتحدة المنتقدة لـ”إسرائيل”، حتى داخل قواعد الحزب الجمهوري، كما لا تبدو المصادفة وحدها وراء تنامي الشكوك داخل “إسرائيل” بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة منح “إسرائيل” ما كانت تمنحه في الماضي القريب من غطاء مطلق. وكمَا في داخل أميركا تخسر “إسرائيل” جزءًا من رصيدها التقليدي، ففي داخل “إسرائيل” تفقد أميركا شيئًا من هالتها ونفوذها باعتبارها الضامن الذي لا يتغير.

يصبح احتمال الصدام السياسي بين ترامب ونتنياهو واردًا، ليس لأن الرجلين يريدان القطيعة، بل لأن مصلحة كل منهما الانتخابية قد تدفعه إلى التمايز عن الآخر. وربما يحتاج ترامب إلى إظهار أنه قادر على إلزام “إسرائيل” بما يخدم المصالح الأميركية، بينما قد يحتاج نتنياهو إلى إظهار أنه الرجل الوحيد القادر على قول “لا” للرئيس الأميركي، والوقوف في وجه الضغوط الأميركية دفاعًا عن الأمن الإسرائيلي.

الحسابات الانتخابية ليست وحدها التي تحكم المشهد؛ فترامب، إذا كان قد حسم خياره بعدم العودة إلى الحرب مع إيران، يدرك أن تثبيت هذا الخيار يقتضي الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحًا؛ لأن أي اضطراب جديد في الملاحة أو أسعار النفط قد يبدد كل المكاسب التي حققها. وهذا يعني، بحكم الترابط الذي فرضته التفاهمات، الالتزام باستكمال مسار وقف الحرب في لبنان؛ لأن بقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة يهدّد بإعادة المنطقة كلها إلى دائرة التصعيد، ويضع التفاهم الأميركي مع إيران تحت الاختبار.

أما بالنسبة إلى نتنياهو، فإن إنهاء الحرب في لبنان لا يعني فقط وقف العمليات العسكرية، بل يعني أيضًا التخلي عن نظرية المناطق العازلة التي حاول فرضها بالقوة في لبنان وسورية وغزة، والقبول بانسحاب يطوي مشروعًا قدّمه لجمهوره باعتباره أحد أهم أهداف الحرب. لذلك يصبح لبنان إحدى ساحات الاختبار الفعلية للعلاقة بين الرجلين: هل يضغط ترامب لتنفيذ الالتزامات التي تضمن وقفًا شاملاً للحرب وانسحابًا إسرائيليًا، أم يمنح نتنياهو وقتًا إضافيًا لإعادة صياغة الوقائع على الأرض؟

قد يبدو السؤال الأكثر جرأة هو: هل يمكن أن يربح ترامب الانتخابات إذا ساهم في إسقاط نتنياهو سياسيًا؟ وهل يستطيع نتنياهو تحسين فرصه إذا نجح في إظهار ترامب بمظهر الرئيس الذي تراجع أمام إيران ولو انتهى ذلك بالمخاطرة بخسارة الجمهوريين للانتخابات، وهم آخر ما تبقى لـ”إسرائيل” في أميركا؟ هذه ليست معادلة شخصية بين زعيمين، بل تعبير عن تباين متزايد بين أولويات القوة العظمى وأولويات حليفها الإقليمي. فالولايات المتحدة تستطيع، مهما بلغت أهمية “إسرائيل”، أن تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، أما “إسرائيل” فلا تستطيع أن تُعيد تعريف أمنها أو اقتصادها أو مكانتها الدولية بعيدًا عن المظلة الأميركية.

قد لا يكون السؤال الحقيقي ماذا سيحمل نتنياهو إلى واشنطن، بل بماذا سيعود منها. فالمعادلة التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” لعقود تقوم على أن واشنطن تدفع و”إسرائيل” تقرر، أما اليوم فقد تكون المرة الأولى التي يصبح فيها على رئيس أميركي أن يختار بين مصلحته الانتخابية ومصلحة رئيس الحكومة الإسرائيلية. فإذا كان ترامب مقتنعًا بأن طريقه إلى الاحتفاظ بالغالبية الجمهورية في المجلسين يمر عبر تثبيت وقف الحرب ومنع العودة إلى المواجهة مع إيران، فإن تنفيذ الالتزامات الأميركية في لبنان يصبح جزءًا من معركته الداخلية، وليس مجرد بند في سياسة خارجيّة. وعندها يغدو الضغط على نتنياهو لإنهاء الحرب والانسحاب من لبنان دفاعًا عن المصلحة الأميركية قبل أن يكون استجابة لمطلب لبناني أو إقليمي. أما إذا نجح نتنياهو في تعطيل هذا المسار، فإنه لا يكون قد أفشل ترتيبات لبنان وحدها، بل يكون قد وجّه ضربة إلى المشروع الانتخابي لترامب نفسه. وهنا يصبح لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، إحدى الساحات التي قد ترسم حدود القوة بين واشنطن وتل أبيب، لا بين “إسرائيل” ومحور المقاومة فحسب.

قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ماذا سيقول ترامب لنتنياهو، بل ماذا سيكون مستعدًا ليفرضه عليه إذا تعارضت المصلحة الأميركية مع المصلحة الإسرائيلية. وعندها قد يتحوّل لبنان، بما يمثله من التزام أميركي بإنهاء الحرب واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، إلى الساحة الأولى التي يُختبر فيها ما إذا كانت واشنطن قد قررت بالفعل أن تكون “أميركا أولاً”، حتى عندما يقتضي ذلك الدخول في مواجهة سياسية مع أقرب حلفائها.