Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر February 20, 2026
A A A
تحويل العملاء من مجرمين إلى شرطيين: «وصفةُ» حرب أهلية في غزة
الكاتب: يوسف فارس

كتب يوسف فارس في الأخبار 

على هامش الخطط المعلنة التي يروج إليها «مجلس السلام» حول مستقبل قطاع غزة، من بوابات الاستثمار وإعادة الإعمار، يُخطَّط في الغرف المغلقة لسيناريوات أكثر سوداوية من كلّ ما هو متوقّع لشكل السنوات المقبلة، تمثّل نقطةَ الارتكاز فيها عصابات الجريمة والعملاء التي تنشط في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال شرقي قطاع غزة. إذ كشف تقرير نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، تخطيط الولايات المتحدة للاعتماد على تلك العصابات في تشكيل قوات شرطة في غزة، رغم إعلان «لجنة إدارة غزة» رسمياً، أمس، فتح باب الانتساب إلى الشرطة الجديدة، ووجود «فيتو» عربي – دولي على دمج مجموعات العملاء السيئة السمعة في أي شكل من أشكال إدارة القطاع مستقبلاً، فضلاً عن ما نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية عن وجود أفكار لدى القيادة الأمنية الإسرائيلية لوقف تمويل هذه المجموعات. وأشار تقرير الصحيفة البريطانية إلى أن ثمة توافقاً إسرائيلياً – أميركياً على الترويج لدمج شخصيات من العملاء في القوة الأمنية المرتقبة.

 

ووفقاً للصحيفة، فإن فكرة استخدام بعض أفراد هذه الميليشيات ضمن قوة حفظ سلام مدعومة من الولايات المتحدة، أثارت معارضة من كبار القادة الأميركيين، خصوصاً أن الميليشيات المسلّحة التي أُقيمت بناء على النفوذ العشائري، لها علاقات موثّقة بالجريمة المنظمة تمتدّ لعقود، ولا تحظى بأي قبول من المدنيين في القطاع، إذ يُنسب إليها القيام بعمليات نهب لشاحنات المساعدات وارتكاب جرائم قتل وخطف وتعاون وثيق مع جيش الاحتلال. وتقول الصحيفة إن خطة الاعتماد على المجموعات المحلية المدعومة من إسرائيل، برزت قبل احتفالات أعياد الميلاد، ما أثار خلافاً في «مركز التنسيق» المدني العسكري الجديد المتعدّد الجنسيات في جنوب إسرائيل.

ولكن الاستثمار الإسرائيلي – الأميركي في تلك المجموعات، وإن تعذّر توظيفه في بناء القوة الشرطية، يتّخذ شكل خطة بديلة ذات صلة بالحاجة إلى العملاء في ضبط الأمن والرقابة على ما يسمى «التجمّعات السكانية الآمنة» التي يجري بناؤها في مدينة رفح، والتي من المفترض أن تصبح البديل السكاني الذي سينزح إليه سكان القطاع في حال تجدّدت الحرب بذريعة نزع السلاح. ووفقاً لمصادر، يعمل صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، عن قرب على هذه الخطة مع الرئيس التنفيذي لـ»معهد اتفاقيات أبراهام»، أرييه لايتستون، الذي يقال إنه يتبنى الموقف الإسرائيلي بشأن الأمن، ويعارض قيام دولة فلسطينية، وينسّق أغلبية جوانب عملية التخطيط غير الرسمي لمستقبل غزة من فندق مطلّ على شاطئ تل أبيب، بما يشمل مناقشات مع مستثمرين من المليارديرات.

 

«جيش العملاء» يتكون من محكومين جنائيين و»دواعش» فروا من السجون في الحرب

 

 

ويشكّك مسؤولون غربيون في جدوى هذا التوجه، إذ قال مسؤول للصحيفة البريطانية إن «هناك شعوراً بأن كوشنر ولايتستون ورفاقهما يعتقدون أنهم إذا منحوا الفلسطينيين فرصة الفرار من حماس، فسوف يغتنموها». لكن الواقع على الأرض هو أنه «في حين أن الكثير من سكان غزة لا يحبون حماس، فإنهم لا يحبون الميليشيات العائلية ولا يثقون بها، وينظرون إلى أفرادها على أنهم مجرمون.

كما ثمة مخاوف من أن ينقلب أعضاء الإدارة الأميركية الأكثر تمسكاً بالأيديولوجيا، في مرحلة ما، ويقولوا للفلسطينيين: لقد منحناكم فرصة مغادرة حماس، وإذا كنتم ترفضونها، فلا بد أنكم متعاطفون مع الحركة». وعندها، ستحصل إسرائيل على الضوء الأخضر لإعادة إشعال الحرب. وفي حين لا يُعرف حالياً أي من الميليشيات العائلية اقترحتها شخصيات أميركية وإسرائيلية للتجنيد وتوظيفها في قوة شرطة غزة الجديدة، لم ينفِ البيت الأبيض وجود مثل هذا التوجّه.

 

لكن من أين جاء جيش العملاء؟ الادعاء أن ثمة ميليشيا عائلية من العملاء في غزة، يمثّل محض تجنٍّ على المجتمع الغزي الذي أصدرت العائلات الكبيرة والصغيرة فيه، بيانات تعلن فيها التبرؤ من كلّ من يثبت تورطه في العمالة. ومن بين تلك العائلات من ذاع صيتها باسم خائن واحد منها، مثل أبو شباب والدهيني وجندية وحلس والمنسي والأسطل، وهي تبرأت ممن تعاملوا مع العدو من أبنائها.

ويُقدّر عدد المنخرطين في مجموعات العملاء في شمال القطاع وجنوبه ببضعة مئات، أكثرهم من النزلاء الأمنيين المحكومين بالإعدام أصلاً، والذين كانوا مسجونين في نظارات التوقيف والسجون التابعة للأجهزة الأمنية في غزة، وهربوا من السجون في اليوم الأول للحرب. ويقول مصدر أمني لـ»الأخبار» إن «قيادة الأجهزة الأمنية لم تكن تمتلك خطة طوارئ لنقل السجناء الخطيرين عند بداية الحرب، فيما لم يستطع أحد اتخاذ قرار ضدّ من صدر بحقهم أصلاً حكم بالإعدام من كبار العملاء والمجرمين والقتلة وأصحاب السوابق والجريمة. ولذا أُخلي سراح هؤلاء تحت ضغط الأوضاع الأمنية، علماً أن أكثرهم مطلوبون لثأر عشائري ومعروفون بعمالتهم. ووفّرت الحرب لهؤلاء فرصة للهروب والارتماء علناً في حضن العدو، حيث مارسوا طوال مدة الحرب جرائم سرقة شاحنات المساعدات، وتمركزوا – قبل الإعلان رسمياً عن تنظيمهم في جيش العملاء – في مناطق قريبة من مواقع جيش الاحتلال».

 

ويشير المصدر إلى أن «الأكثر غرابة، هو أن بعضاً من كبار قادة العملاء، مثل غسان الدهيني وعصام النباهين، كانوا قد سُجنوا في سجون وزارة الداخلية بسبب ميولهم الفكرية المتشدّدة وتعاملهم مع داعش. وقد أدينوا فعلاً بجرائم تفجير مراكز الشرطة وتقويض الأمن (..) ومعظمهم فقدوا أي فرصة قبول في المجتمع الذي يلفظ أمثالهم، ووجدوا أن توقّف الحرب ربما يؤدي إلى إعادة اعتقالهم ومحاكمتهم على جرائمهم. لذا مضوا في طريق الخيانة العلنية».

 

ورغم كلّ محاولات دمج تلك العناصر في المجتمع، فإن ردود الفعل الشعبية والرسمية على توجّهات كهذه، تؤكد أن الخطة الأميركية – الإسرائيلية ما هي إلا وصفة لصناعة حرب أهلية، بين مجتمع يرفض بكلّه عار الخيانة، بمعزل عن موقف بعض شرائحه من حركة «حماس» وبقية فصائل المقاومة، وبين مجموعات من العملاء والخونة وأصحاب السوابق والجرائم الأخلاقية والانحرافات السلوكية، التي تتنافى مع طبيعة المجتمع. ومن شأن ذلك أن يحوّل خطة السلام التي يجري الترويج إليها، إلى خطة لإعادة إنتاج حرب داخل الحرب، يقاتل فيها عملاء إسرائيل المجتمع بالوكالة، وتُغرَق غزة في نفق أسود لا بقعة ضوء ترتجى في نهايته.