Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر January 30, 2026
A A A
تأمين الرواتب اللائقة ضرورة وطنية.. ولكن؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”

لا يمكن لأي نقاش جدّي حول الموازنة أو الإصلاح المالي أن يتجاوز الواقع المعيشي الكارثي الذي يرزح تحته العاملون في القطاع العام، مدنيين وعسكريين، عاملين ومتقاعدين. فقد تهاوت رواتبهم إلى مستويات مهينة بفعل الانهيار النقدي، وتآكلت قيمتها الشرائية إلى حدّ لم يعد يؤمّن الحدّ الأدنى من متطلبات العيش الكريم. هذا الواقع لا خلاف عليه، ولا يمكن تبرير الاستمرار في تجاهله أو التعامل معه ببرودة تقنية. لكن الخطأ القاتل يكمن في تحويل هذا الحق المحق إلى مادة انفعالية تُستثمر سياسياً، عشية الإنتخابات النيابية، من دون أي رؤية مالية، أو تأمين لمصادر التمويل.
إن البحث في زيادات على الرواتب أو في توسيع التقديمات الاجتماعية بمعزل عن قدرة الخزينة، ومن دون إصلاح بنيوي في المالية العامة، لن يؤدي إلاّ إلى تعميق العجز، وزيادة الضغط على الدولة، وتسريع دوامة التضخم. فلبنان يعيش اقتصاداً مدولراً بنسبة تقارب ٩٥ بالمئة، فيما الإيرادات العامة لا تزال بمعظمها بالليرة، ما يجعل أي زيادة غير مموّلة فعلياً عبئاً مباشراً على الاستقرار النقدي الهش، ويُترجم عملياً بارتفاع إضافي في الأسعار يبتلع الزيادات نفسها قبل أن تصل إلى جيوب الموظفين.
التجربة السابقة لا تزال ماثلة أمام الجميع. إقرار سلسلة الرتب والرواتب بطريقة مُتسرّعة، ومن دون إصلاحات موازية أو موارد مستدامة، شكّل أحد العوامل الأساسية التي فجّرت مالية الدولة، ووسّعت فجوة العجز، وساهمت في الانهيار الكبير الذي يدفع اللبنانيون ثمنه حتى اليوم. إعادة إنتاج النهج نفسه، تحت ضغط الشارع أو بدافع تسجيل مكاسب شعبوية، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى النتيجة ذاتها، مهما حسنت النوايا.
تأمين رواتب لائقة للعاملين في القطاع العام هو ضرورة وطنية، لكنه لا يكون بالقفز فوق الوقائع. الطريق الوحيد المستدام يمرّ بتحسين موارد الدولة، ووقف الهدر المنهجي، وضبط التهرب الضريبي، وإعادة الاعتبار للإدارة العامة كجهاز منتج لا كمستودع للزبائنية. كما يفرض إعادة نظر جذرية في المنظومة التقاعدية المعمول بها حالياً، والتي تحوّلت إلى عبء مزمن، ولم تعد تتلاءم مع المعايير المعتمدة في كثير من دول العالم التي انتقلت إلى نماذج أكثر كفاءة وشفافية.
العدالة الاجتماعية لا تتحقق بقرارات انفعالية، بل بسياسات مالية مسؤولة، توازن بين حق الموظف وحق الدولة في البقاء. وأي معالجة لا تنطلق من هذا التوازن الدقيق، ستبقى مجرد مسكّن مؤقت، يفاقم المرض بدل أن يعالجه، ويدفع البلاد خطوة إضافية نحو حافة الانهيار الشامل.