Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر March 6, 2026
A A A
بين مأزق العدو في الليطاني وانتقامه من الضاحية!
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في “البناء” 

هل القرار الإسرائيلي بمطالبة سكان الضاحية الجنوبية لبيروت بمغادرتها يعود الى اصطدام جيش الاحتلال بمقاومة شرسة في الميدان وتكبّده خسائر جسيمة بالجنود والدبابات، لدى محاولته التقدّم لاحتلال القرى في المنطقة الحدودية، وبالتالي فوجئت القيادة الإسرائيلية بأنّ القدرات القتالية للمقاومة وإمكانياتها الصاروخية لم تضعف أو تتراجع حتى في جنوب الليطاني؟

يبدو من الواضح أنّ التصعيد الإسرائيلي العنيف والممنهج ضدّ الضاحية الجنوبية لبيروت والقرار بتهجير سكانها إنما هو محاولة “تعويض” عن إخفاق جيش الاحتلال في تحقيق إنجازات برية حاسمة على الجبهة الجنوبية في إطار سعيه لإعادة إقامة منطقة عازلة خالية من السكان في جنوب الليطاني.

أولاً: استراتيجية العدو للتعويض عن فشله العسكري،

من الواضح انّ العدو عندما اصطدم في بداية هجومه البري بمقاومة شرسة في قرى مثل (الخيام، عيتا الشعب، أو كفركلا)، وفشلت محاولاته في السيطرة السريعة على المدن والبلدات الحدودية، لجأ إلى الانتقام من الضاحية الجنوبية عبر قراره بتهجير سكانها بهدف تحقيق عدة أهداف:

1 ـ استهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة، من خلال الضغط على السكان بالتهجير والتدمير بهدف رفع الكلفة الشعبية على المقاومة، في محاولة خلق فجوة بين المقاومين في الميدان وبيئتهم.

2 ـ السعي لتدمير مركز القيادة الرئيسي للمقاومة: فإسرائيل تعتبر الضاحية مركز الثقل السياسي والإعلامي واللوجستي للمقاومة، واستهدافها هو محاولة لتعطيل أيّ قدرة على إدارة المعركة والنيل من معنويات المقاومين في الميدان.

ثانياً: صدمة العدو من القدرات الصاروخية المستمرة للمقاومة،

أما الأمر الآخر الذي فاجأ حكومة العدو حقاً هو أنّ القصف الجوي المكثف (الذي طال آلاف الأهداف أثناء عدوان 2024، وخلال الـ 15 شهراً الماضية عقب اتفاق وقف النار) لم ينجح في إضعاف القدرات الصاروخية للمقاومة ولا قدرتها على الاستمرار في إطلاق الصواريخ على مواقع العدو في الأراضي المحتلة في حيفا وتل أبيب الكبرى.

وفي جنوب الليطاني، فإنه رغم القصف الإسرائيلي الميداني العنيف، سارعت المقاومة الى الردّ وإطلاق الرشقات الصاروخية من مناطق يُفترض أنها “تحت سيطرته النارية”، مما يعني أنّ البنية التحتية الصاروخية (المنصات المخفية والأنفاق) لا تزال تعمل بكفاءة. هذه التطورات دللت أنّ المقاومة لم تضعف وأنها استعادت عافيتها على مستوى تعبئة الفراغات في سلسلة القيادة، بعد الاغتيالات، وأنّ القرار العسكري لا يزال مركزياً ومنظماً، وهو ما يناقض الرواية الإسرائيلية عن “تفكيك القدرات” وضعفها.

ثالثاً: الفشل في تأمين الأمن والاستقرار للمستوطنين في الشمال الفلسطيني،

لقد ادّعى قادة العدو أنهم نجحوا في تحقيق هدفهم، بعد اتفاق وقف النار، بتوفير الأمن في الشمال وإعادة المستوطنين الى مستوطناتهم القريبة من الحدود مع لبنان… لكن عودة المقاومة إلى قصف هذه المستوطنات أثبت فشل هذا الهدف وأكد أن لا أمن للصهاينة ما لم ينعم الجنوبيون أيضاً بالأمن والاستقرار.

انطلاقاً مما تقدّم يبدو من البيّن أنّ جيش الاحتلال عاجز عن تأمين “نصر بري سريع” ينهي وجود المقاومة، ولذلك لجأ الى سياسة الانتقام من المدنيين وتحديداً من الضاحية الجنوبية التي تشكل البيئة الحاضنة للمقاومة ورمزاً لها، ويحاول من خلال تهجير سكانها إثارة الفتنة بين اللبنانيين من خلال الرهان على حدوث احتكاكات، والضغط على الحكومة لدفع الجيش اللبناني للتصادم مع المقاومة بما يؤدي الى إشعال حرب أهلية تشغل المقاومة وتربكها، بما يتيح له الفرصة لاحتلال جنوب الليطاني، وليوحي لجمهوره بأنه لا يزال يمتلك المبادرة العسكرية.

رابعاً: التداعيات المحتملة

انّ حكومة العدو تجد نفسها في مأزق “التوسع البري” للاسباب التالية:

1 ـ الاستنزاف: كلما تعمّق جيش الاحتلال في جنوب الليطاني، زادت خطوط إمداده طولاً، وزادت فرص وقوعه في كمائن “حرب العصابات”، وهو ما تبرع فيه المقاومة.

2 ـ كلفة “الحزام الأمني”: التجارب التاريخية (1982 ـ 2000) أثبتت أنّ احتلال الأرض لا يمنع الصواريخ، بل يحوّل الجنود الصهاينة إلى أهداف سهلة.

لذلك فإنه من المحتمل أنّ “إسرائيل” تحاول عبر التهجير وتدمير الضاحية والضغط البري إجبار لبنان على الاستسلام لشروطها السياسية والأمنية لا سيما لناحية الحصول على ترتيبات أمنية تحقق لها حرية الحركة الجوية والبرية، لا تستطيع انتزاعها في الميدان العسكري.

من هنا فإنّ التصعيد في الضاحية، والانتقام من سكانها عبر تهجيرهم، هو اعتراف ضمني بأنّ “القبضة العسكرية” في الجنوب لم تنجح في كسر إرادة المقاومين على القتال، وأنّ المقاومة لا تزال تمتلك “مخزوناً استراتيجياً” قادراً على إيلام العمق الإسرائيلي لفترات طويلة…