Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر March 6, 2026
A A A
بين خطاب الأمس وتحديات اليوم… عندما تحدّث سليمان فرنجيه من منبر الأمم المتحدة
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

في السياسة كما في التاريخ، هناك خطابات لا تُقرأ فقط في زمنها، بل تستعاد بعد عقود لأنها تختزن أسئلة لم يفقدها الزمن راهنيتها. ومن بين تلك اللحظات المفصلية يبرز خطاب الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجيه أمام الأمم المتحدة، خطابٌ بدا يومها تعبيراً عن موقف دولة صغيرة في محفل دولي كبير، لكنه في العمق كان محاولة لصوغ معادلة لبنان في عالم مضطرب.

 

لم يكن لبنان، في ذلك الخطاب، مجرد دولة تبحث عن موقع في النظام الدولي، بل كياناً يحاول أن يعرّف نفسه بين ثلاث حقائق متلازمة: سيادة يريد تثبيتها، وانتماء عربي لا يتنكر له، ودور حضاري يسعى إلى حمايته. ومن هذا التوازن الدقيق انطلقت مقاربة فرنجيه لموقع لبنان في المنطقة والعالم.

 

السيادة: هاجس الدولة الصغيرة

 

في صلب خطاب الرئيس فرنجيه كان هناك تشديد واضح على مبدأ السيادة الوطنية. فلبنان، بحسب رؤيته، دولة مستقلة لا يمكن أن تتحول إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية أو الدولية. وقد حمل هذا الموقف في طياته إدراكاً مبكراً لمعضلة الدولة الصغيرة في منطقة متقلبة: كيف يمكن الحفاظ على الاستقلال السياسي وسط صراعات تتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية؟

 

لقد أراد فرنجيه أن يقول للمجتمع الدولي إن حماية الدول الصغيرة لا تتحقق فقط عبر موازين القوة، بل عبر احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لكن التجربة اللبنانية اللاحقة أظهرت أن هذه المعادلة ليست سهلة التحقيق في واقع سياسي إقليمي شديد التعقيد.

 

لبنان والقضية الفلسطينية: التضامن وحدود الاحتمال

 

لم يكن ممكناً في تلك المرحلة أن يُطرح موقع لبنان في المنطقة من دون التوقف عند القضية الفلسطينية. وقد عبّر فرنجيه بوضوح عن دعم لبنان لحقوق الشعب الفلسطيني، ولا سيما حقه في تقرير المصير وحق العودة.

 

غير أن الخطاب لم يخلُ من واقعية سياسية لافتة، إذ أشار إلى الأعباء الكبيرة التي يتحملها لبنان نتيجة استضافة اللاجئين الفلسطينيين، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته في معالجة هذه القضية وفق قرارات الشرعية الدولية.

 

بهذا المعنى، عكس الخطاب محاولة لبنانية مبكرة للجمع بين التضامن مع قضية عربية محقة والحفاظ على استقرار الدولة اللبنانية وحدود قدرتها على الاحتمال.

 

 

لبنان الرسالة… فكرة تحتاج إلى دولة

 

من بين أبرز الأفكار التي حملها خطاب فرنجيه تقديم لبنان كنموذج للتعددية الدينية والثقافية في الشرق الأوسط. فلبنان، في هذه الرؤية، ليس مجرد مساحة جغرافية صغيرة، بل تجربة سياسية تقوم على التعايش بين مكونات مختلفة، ما يجعله جسراً حضارياً بين الشرق والغرب.

 

غير أن التجربة اللبنانية أثبتت أن هذا النموذج لا يمكن أن يستمر من دون دولة قوية ومؤسسات قادرة على حماية التوازن الداخلي. فعندما تضعف الدولة، يصبح التنوع مصدر هشاشة بدل أن يكون مصدر غنى.

 

بين خطاب الأمس وواقع اليوم

 

اليوم، وبعد مرور عقود على ذلك الخطاب، تبدو الأسئلة التي طرحها الرئيس سليمان فرنجيه كأنها تعود إلى الواجهة بصيغة أكثر إلحاحاً. فلبنان لا يزال يبحث عن معادلة توازن بين سيادته الوطنية، وانتمائه العربي، واستقراره الداخلي.

 

وإذا كان خطاب الأمس قد حاول أن يقدّم لبنان كدولة قادرة على التوفيق بين هذه العناوين الثلاثة، فإن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في تحويل هذه المبادئ من شعارات سياسية إلى سياسات فعلية تعيد للدولة قدرتها على الإمساك بقرارها الوطني.

 

الخلاصة

 

إن استعادة خطاب الرئيس سليمان فرنجيه من على منبر الأمم المتحدة ليست مجرد تمرين في الذاكرة السياسية، بل قراءة في جذور الأسئلة التي لا تزال تشغل لبنان حتى اليوم. فالدولة التي أرادها فرنجية دولة سيدة، منفتحة على محيطها العربي، ومتمسكة بدورها الحضاري، تبقى مشروعاً يحتاج دائماً إلى إرادة سياسية قادرة على ترجمته في الواقع.

 

ولعل الدرس الأعمق في ذلك الخطاب أن قوة لبنان لم تكن يوماً في حجمه أو إمكاناته، بل في قدرته على تحويل تنوعه إلى مصدر استقرار، وعلى التمسك بالشرعية الدولية كإطار يحمي حضوره ودوره في العالم.

 

وهي معادلة، على بساطتها النظرية، لا تزال حتى اليوم التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية.