Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر March 21, 2026
A A A
بين المسيح وجنكيز خان… حين يُعاد اختراع التاريخ لتبرير الحروب
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه

ليس أخطر على الحاضر من تاريخٍ يُستدعى مشوّهًا لخدمة معارك اليوم. هذا تمامًا ما يفعله خطاب بنيامين نتنياهو حين يضع العالم أمام ثنائية زائفة بين السيد المسيح وجنكيز خان: ثنائية لا تقول شيئًا عن التاريخ، لكنها تقول الكثير عن نوايا السياسة.

فالمسيح، في رمزيته الدينية، ليس طرفًا في صراع جيوسياسي، بل رسالة أخلاقية تتجاوز منطق الحروب. وجنكيز خان ليس “نقيضًا أخلاقيًا” بقدر ما هو نموذج تاريخي للغزو الشامل الذي أعاد رسم خرائط العالم بالقوة. الجمع بينهما ليس قراءة، بل اختزال متعمّد يهدف إلى دفع العالم للاصطفاف في معركة مُسبقة النتائج: إمّا أن تكون مع “الخير المطلق”، أو تُدفع قسرًا إلى خانة “الشر المطلق.”

غير أن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في سطحية المقارنة فحسب، بل في ما تُخفيه من دلالات أعمق. فاستحضار نموذج جنكيز خان ليس بريئًا في الذاكرة العربية والإسلامية. إنه استدعاء لمرحلة مفصلية انتهت بسقوط بغداد عام 1258، وانهيار الخلافة العباسية كمرجعية رمزية وسياسية للعالم الإسلامي. تلك اللحظة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل انكسارًا تاريخيًا عميقًا غيّر بنية السلطة والوعي لقرون.

من هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل يُراد لهذه المقارنة أن تكون مجرد استعارة، أم أنها تعكس تصورًا أعمق يرى في الحروب الجارية فرصة لإعادة إنتاج لحظة الانهيار تلك، ولكن بأدوات العصر؟ هل نحن أمام خطاب يسعى، بوعي أو بغير وعي، إلى تسويغ منطق “الصدمة الكبرى” التي تعيد تشكيل المنطقة على نحو جذري؟

إن أخطر ما في هذا النوع من السرديات أنه ينقل الصراع من دائرة السياسة إلى حافة الوجود. وحين يُعرَّف الخصم بوصفه “جنكيز خان جديدًا”، فإن أي تسوية معه تصبح خيانة، وأي عنف ضده يصبح مبرّرًا. هكذا تُغلق أبواب الحلول، ويُفتح الباب أمام حروب بلا سقف.

في المقابل، فإن استدعاء السيد المسيح في هذا السياق لا يهدف إلى إضاءة البعد الأخلاقي بقدر ما يهدف إلى احتكاره. إنها محاولة لتأطير الصراع ضمن سردية دينية تُخاطب الغرب بلغة مألوفة، وتمنح السياسات طابعًا قيميًا يتجاوز المساءلة السياسية والقانونية.

أمام هذا الخطاب، لا يملك العالم العربي والإسلامي ترف الصمت أو الاكتفاء بردود الفعل. فالمطلوب ليس فقط رفض المقارنة، بل تفكيكها وكشف ما تنطوي عليه من مخاطر: مخاطر إعادة إنتاج منطق تاريخي قائم على الصدمة والتفكيك، ومخاطر تحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة لا تعترف بحدود ولا بتوازنات.

لقد علّمنا التاريخ أن لحظة جنكيز خان لم تُنهِ العالم الإسلامي، لكنها غيّرت مساره لقرون. أما اليوم، فإن استدعاء تلك اللحظة في خطاب سياسي معاصر يجب أن يُقرأ كإنذار، لا كتشبيه عابر.

إنها لحظة وعي: وعي بأن الحروب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالكلمات التي تعيد تشكيل العقول والخرائط معًا.