Beirut weather 28.54 ° C
تاريخ النشر April 15, 2026
A A A
بين القنابل والمناخ: كيف تُسرّع الحرب وتيرة الاحتباس الحراري في لبنان؟
الكاتب: شانتال عاصي - الديار

لم يعد التغير المناخي والاحتباس الحراري مجرد تحديات بيئية بعيدة المدى، بل أصبحا يتداخلان بشكل مباشر مع ديناميكيات النزاعات المسلحة، كما يتجلى بوضوح في الحرب الجارية على لبنان. فإلى جانب الخسائر البشرية والاقتصادية، تكشف الوقائع عن طبقة أعمق من التداعيات تتمثل في تسريع التدهور البيئي، ورفع مستويات الانبعاثات، وإضعاف قدرة النظم الطبيعية على التكيف مع التغير المناخي.

لبنان، الذي يعاني أصلًا من ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، وضغط متزايد على موارده الطبيعية، يجد نفسه اليوم أمام عامل إضافي يزيد من هشاشة بيئته، وهو الحرب بما تخلقه من انبعاثات مباشرة وتدمير واسع للبنية البيئية.

الأثر المناخي للنزاع

تشير التقديرات البيئية إلى أن العمليات العسكرية تُعد من أكثر الأنشطة كثافة في استهلاك الوقود الأحفوري، نظرًا لاعتمادها على الطائرات الحربية، والدبابات، والمركبات الثقيلة، وسلاسل الإمداد اللوجستية الممتدة. هذه الأنشطة تؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، وهي غازات دفيئة تسهم مباشرة في رفع حرارة الغلاف الجوي.

وفي السياق اللبناني، تتفاقم هذه الانبعاثات بسبب محدودية البنية البيئية القادرة على امتصاص الكربون، مثل الغابات والمساحات الخضراء التي تتعرض بدورها للتدمير. كما أن تكرار موجات الحر والجفاف في المنطقة يجعل من أي زيادة إضافية في الانبعاثات عاملًا مضاعفًا لأزمة المناخ القائمة، وليس مجرد تأثير مؤقت.

تدمير البنية البيئية وتلوث المياه

من أخطر التداعيات البيئية للحرب استهداف المنشآت الصناعية ومستودعات الوقود، حيث يؤدي تدميرها إلى تسرب مباشر لمواد كيميائية ونفطية إلى التربة والمياه الجوفية، وصولًا إلى الأنهار والساحل اللبناني الممتد على البحر الأبيض المتوسط. هذا التلوث لا يقتصر على لحظة الانفجار، بل يستمر لسنوات، مؤثرًا على جودة المياه والتربة وسلامة الغذاء.

كما أن التلوث البحري الناتج عن هذه التسربات يهدد التنوع البيولوجي البحري، بما في ذلك الأسماك والكائنات الدقيقة التي تشكل أساس السلسلة الغذائية البحرية. ومع الوقت، ينعكس هذا الخلل على قطاع الصيد وعلى الأمن الغذائي في المجتمعات الساحلية، ما يضيف بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا للأزمة البيئية.

فقدان الغطاء الأخضر ومخزون الكربون الطبيعي

تُعد حرائق الغابات الناتجة عن الغارات الجوية والعمليات العسكرية من أكثر الظواهر تدميرًا للبيئة في السياق اللبناني الحالي. فقد أدت هذه الحرائق إلى تدمير مساحات واسعة من الغابات في الجنوب والمناطق الحدودية، وهي مناطق كانت تمثل خزانات طبيعية للكربون وموائل للتنوع البيولوجي.

هذا التدمير لا يعني فقط فقدان الغطاء النباتي، بل أيضًا إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، ما يفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. كما أن فقدان الأشجار يقلل من قدرة الأرض على امتصاص الكربون مستقبلاً، ويزيد من خطر انجراف التربة والتصحر، خاصة في ظل مناخ جاف أساسًا.

تداعيات صحية مركبة: بين التلوث المناخي والأزمات الإنسانية

لا تنفصل التداعيات البيئية عن الصحة العامة، بل تتداخل معها بشكل مباشر. فارتفاع مستويات التلوث الهوائي الناتج عن الحرائق والانفجارات يؤدي إلى زيادة أمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو والتهابات الرئة، إضافة إلى تفاقم أمراض القلب لدى الفئات الأكثر هشاشة.

كما أن تلوث المياه والتربة يهدد الأمن الغذائي عبر تراكم السموم في المحاصيل الزراعية والأسماك، ما ينعكس على صحة السكان على المدى الطويل. وإلى جانب ذلك، يضيف التدهور البيئي ضغطًا نفسيًا كبيرًا على المجتمعات، نتيجة فقدان الموارد الطبيعية، وتدهور جودة الحياة، وعدم اليقين بشأن المستقبل.

تهديد المسارات البيئية والتنوع الحيوي الإقليمي

بعيداً عن الخسائر البشرية المباشرة، تُلحق العمليات العسكرية ضرراً جسيماً بالمنظومة الحيوية التي تتجاوز في تأثيرها حدود الجغرافيا اللبنانية. فلبنان، بموقعه الاستراتيجي الفريد عند ملتقى قارات العالم القديم، يُعد ركيزة أساسية ضمن “مسارات الهجرة الكبرى” للطيور المهاجرة، إذ تعتمد ملايين الطيور سنوياً على الغابات والمناطق الرطبة اللبنانية كمحطات استراحة وتزود حيوية في رحلتها الشاقة بين أوروبا وأفريقيا.

إن التدمير الممنهج للموائل الطبيعية والغابات ليس مجرد خسارة لأشجار، بل هو تقويض لبنية تحتية بيئية حيوية. فالغارات الجوية والحرائق الناجمة عنها لا تدمر الغطاء النباتي فحسب، بل تفرض “تلوثاً ضوضائياً” وضوئياً مزمناً يربك الأجهزة الحسية للكائنات المهاجرة، ويدفعها لتغيير مساراتها القسرية نحو مناطق أقل أماناً أو أفقر في مواردها. هذا الاضطراب لا يقتصر أثره على الداخل اللبناني، بل يشكل ضربة موجعة للتوازن البيئي في الإقليم ككل؛ إذ أن فقدان هذه المحطات يؤدي إلى تراجع معدلات نجاح الهجرة، مما يسرع من وتيرة انقراض الأنواع المهددة أصلاً بفعل التغير المناخي المتسارع.

في نهاية المطاف، تكشف الحرب الجارية على لبنان عن حقيقة بيئية بالغة الأهمية: أن النزاعات المسلحة لم تعد منفصلة عن أزمة المناخ، بل أصبحت أحد محركاتها غير المباشرة. فبين الانبعاثات الكربونية، وتدمير الغابات، وتلوث المياه، تتشكل أزمة بيئية طويلة الأمد تتجاوز حدود الحرب نفسها.

ومع استمرار هذا التداخل بين النزاع والتغير المناخي، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل البعد البيئي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في حماية الإنسان والطبيعة معًا، وضمان قدرة المجتمعات على الصمود في وجه الأزمات المتراكبة.