Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر January 31, 2026
A A A
بين الضغط والتفاوض… حدود الخيارات الأميركيّة في مواجهة إيران
الكاتب: خضر رسلان - الديار

 

يتعامل عدد من الباحثين في الشأن الاستراتيجي، بقراءة هادئة وعقل بارد مع التصعيد الأميركي الأخير، حيث يُنظر إلى التحشيد العسكري والتهويل الإعلامي، بوصفهما أداة ضغط سياسي غير مسبوقة، أكثر منهما تمهيدا لحرب شاملة. فالوقائع تشير إلى أن ما يجري يتجاوز منطق المواجهة المباشرة، ويتقدّم ضمن إطار محسوب يهدف إلى تحسين شروط التفاوض، لا إلى فتح أبواب اشتباك واسع يصعب احتواؤه.

في واقعها الداخلي الراهن، تبدو الولايات المتحدة محدودة الخيارات، بفعل انقسامات سياسية حادّة، واستقطاب داخلي غير مسبوق، واقتصاد مثقل بالأعباء، إضافة إلى رأي عام يزداد نفورا من الحروب الخارجية. وتُسهم هذه العوامل مجتمعة، في جعل خيار الحرب المباشرة عالي الكلفة داخليا، وغير مضمون النتائج خارجيا.

وعليه، يمكن ترجيح أن السياسة الأميركية، تقوم على رفع منسوب الضغط السياسي والعسكري والإعلامي، بهدف دفع إيران إلى طاولة مفاوضات تُدار من موقع قوة، مع تقديم الشروط الأميركية باعتبارها المسار الوحيد لتخفيف التصعيد، من دون وجود رغبة حقيقية في خوض مواجهة مفتوحة.

في المقابل، تقرأ إيران المشهد بعقلانية واضحة. تماسك داخلي، وقدرة على تحمّل الضغوط الممتدة، وثقة نابعة من تراكم عناصر قوة فعلية، لا سيما في مجال الردع الصاروخي وتطوير القدرات الدفاعية. غير أن هذا الواقع لا يعكس اندفاعا نحو الحرب، بقدر ما يدل على استعداد للصمود ومنع فرض الوقائع بالقوة.

إيران لا ترفض مبدأ التفاوض، لكنها ترفض أي مسار تفاوضي يتحوّل إلى أداة إملاء وإخضاع. ومن هذا المنطلق، تنظر طهران إلى الشروط الأميركية المطروحة، باعتبارها محاولة لانتزاع تنازلات تحت الضغط، وهو ما تعتبره مساسا بحقوقها السيادية ومكتسبات غير قابلة للمساومة.

هذا التباين في المقاربتين يضع المنطقة أمام معادلة دقيقة: طرف يمتلك فائض قوة عسكرية، لكنه لا يُخفي تردده في تحمّل أوزارها، وطرف آخر راكم قدرات ردعية، تمنحه ثقة بقدرته على منع الحرب، لا السعي إليها. وبين هذين الخيارين، تتّسع مساحة الاشتباك غير المباشر، والتصعيد المحسوب، وتبادل الرسائل.

استشرافا للمشهد المقبل، يُرجّح أن تدخل المنطقة مرحلة شدّ حبال طويلة، يستمر فيها الضغط الأميركي بأدوات متعددة، في مقابل تمسّك إيراني بخطوط حمراء واضحة. ومن المرجّح أن تبقى المنطقة معلّقة على إيقاع التهويل لا الحرب، وعلى توازن ردع يحدّ من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مهما ارتفعت نبرات التصعيد.

غير أنّه لا يمكن تجاهل أن قرارات الرئاسة الأميركية المتقلّبة وغير المنطقية أحيانا، قد تُربك الحسابات الاستراتيجية السليمة، وتدفع بالمسار الإقليمي نحو خيارات غير محسوبة النتائج، ما يفرض على الباحثين والمتابعين قراءة المشهد بحذر شديد، والانتباه إلى الفجوة بين الخطط النظرية والواقع الميداني.

 

بناءً على ما تقدّم، يبدو أن الصراع الراهن ليس حربا وشيكة، بل اختبار إرادات طويل النفس. الولايات المتحدة تضغط بشروطها، وإيران تصمد بثقتها وقدراتها وتحافظ على حقوقها السيادية. غير أن أي خطوة غير محسوبة من أيٍّ من الطرفين، قد تُخرج المنطقة من مسار التهدئة الجزئية إلى مواجهة مفتوحة، يخشى طرفا الصراع ودول المنطقة نتائجها وتداعياتها، والتي إن وقعت ستعيد رسم واقع المنطقة وفق إرادة المنتصر فيها.