تبيّن لي من خلال العديد من القراءات والقصاصات الورقية من الصحف والمجلات والدوريات القديمة في أرشيف فخامة الرئيس سليمان فرنجيه، أن علاقة شديدة الاحترام والمودة كانت تربط الرئيس فرنجية ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط، لم تهتز الا منذ عشية الحرب ن”حرب الآخرين على أرضنا”، حتى ساءت كثيرا الى حدّ اصبح فيه كمال جنبلاط رأس حربة المطالبة بإسقاط الرئيس فرنجيه بكل الطرق.
وفي الذكرى الـ٤٨ لاستشهاد كمال جنبلاط أحببت اعادة نشر قسم من مقال كتبته مجلة الحوادث في عددها الصادر في ٧ أيلول ١٩٧٣ في فقرة لقطة الأسبوع تحت عنوان “اللياقة: الوسيط الوحيد بين جنبلاط… والقصر”.
لا يزال الذين يزورون السيد كمال جنبلاط، بعد عودته من زيارة اهدن، يسمعونه يتحدث بإعجاب شديد عن لباقة الرئيس سليمان فرنجيه وحرصه على اللياقات:” يا عمي، فخامتو ابن بيت وبيعرف يحافظ على كرامات الناس”.
وفي نشوة الاعجاب برئيس الجمهورية، وهي ليست نشوة مفاجئة، يروي رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي امام زائريه انه عندما دخل الى مكتب الرئيس في المقر الصيفي، نهض الرئيس من وراء المكتب، ثم خطى خطوة ، خطوتين ، ” وصافحني باسماً وشعرت ان ترحيبه بي نابع من قلبه.”
وقبل ان يسترد الزوار انفاسهم، يتابع جنبلاط راوياً شارحاً منشرحاً كيف ان الرئيس يعود ويجلس وراء مكتبه..
“فجلس على مقعد مجاور لمقعدي.. الحقيقة هالرجل صاحب شيمة بيرتاح الواحد بالحديث.. بيرتاح كتير”.
ولا يتوقف جنبلاط عند هذا الحد، بل انه يروي كيف ان الرئيس فرنجيه ، وهو المدخن من الطراز الاول، كان ينفث دخان سيجارته في العالي كي لا يضايق جنبلاط الذي لا يدخن”. وعندما شرحت له فوائد اعشاب القمح وقدمت له كتابي، اخبرني “كيف انه يعالج احيانا بعض العوارض الصحية التي يصاب بها بالاعشاب البرية والحشائش ايضا.”
ويلتفت جنبلاط الى من حوله ويقول:” الناس فكروا اني طالع على اهدن لان الرئيس رخص لي معمل سبلين. سبلين حق لي على الدولة منذ عشرين سنة. فضل سليمان فرنجيه انه اقر هذا الحق.. بالطبع شكرته، لكن الزيارة لم تكن من اجل ذلك وحده!”
والذين اصغوا الى جنبلاط في نشوة اعجابه بلياقة الرئيس ولباقته وحكمته، لم يربطوا ابدا بين هذا الاعجاب وبين رخصة معمل سبلين.
وقصة جنبلاط مع فرنجيه، خصوصا عندما ينتقل الى اهدن، يعرفها كثيرون اذ عندما كان رئيس جبهة النضال على غير وفاق مع سيد القصر ، فكان يتندر في احاديثه حول الاوضاع الصحية لكل وزير من الوزراء…فاذا اصيب وزير بزكام يقول جنبلاط : مناخ اهدن قاسي كثير يا عمي، مش مين ما كان بيقدر يحملو(!!) واذا اصيب وزير بديسك يقول جنبلاط:” مش قابل يا عمي، الواحد يتحمل هيك مشوار ويرجع طيب.!” وفي ختام الحديث كان يرمي نصيحته على الوزراء:” يا عمي مش ضروري الواحد يقتل حالو تا يعمل وزير… الصحة قبل… اهدن، خصوصي انو اللي بدو يزور اهدن بدو ينجبر ياكل كبي!” (…).