Beirut weather 20.63 ° C
تاريخ النشر February 16, 2026
A A A
بين التلميح والتصريح.. متى يحسم الحريري خياراته؟!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري عادت ساحة الشهداء لتضجّ بالجمهور الأزرق الذي لبّى الدعوة وفاءً وحنينًا وحباً والتزامًا.

مشهد الحشد غير المسبوق لم يكن تفصيلاً عابرًا في الحياة السياسية اللبنانية، بل رسالة واضحة بأن تيار المستقبل، رغم تعليق عمله السياسي قبل أربع سنوات، لم يخرج من المعادلة ولم يسقط من وجدان بيئته الشعبية، وأن قاعدته ما تزال متماسكة وقادرة على التعبير عن نفسها وعن خياراتها، الأمر الذي دفع الرئيس الحريري إلى التحصن بهذا الظهر الشعبي في مواجهة ما وصفه بالطعنات والغدر، معتبرًا أن من يملك هذا الاحتضان لا يخشى الاستهداف ولا العزل.

الحشد الأزرق لم يكن مجرّد استعراض قوة أو تجديد بيعة رمزية، فجمهور الحريري لم يملأ ساحة الشهداء ليستمع إلى ثوابت يعرفها ويحفظها، بل جاء يبحث عن جواب لسؤال معلّق منذ إعلان الحريري تعليق العمل السياسي، وهو: هل حان وقت العودة؟

تفاعلَ الحضور مع كل حركات وكلمات وسكنات الرئيس الحريري، بانتظار الوصول إلى “بيت القصيد” الذي يعيد الثقة والدور والنفوذ إلى التيار، لكن ما انتظره الجمهور تصريحًا حاسمًا، قدّمه الحريري تلميحًا، حين قال: “أخبروني متى ستجري الانتخابات النيابية وأنا أقول لكم ماذا سيفعل تيار المستقبل”. ليفتح بذلك أبواب التأويل على مصراعيها.

التصفيق الحار الذي قوبلت به العبارة عكس تعطّش القاعدة لأي إشارة توحي بالعودة، لكن بعدما “راحت السكرة وجاءت الفكرة”، طُرح أكثر من احتمال، لجهة: هل نحن أمام عودة كاملة للحريري وتياره إلى العمل السياسي وخوض الانتخابات؟ أم عودة جزئية عبر دعم شخصيات قريبة أو غض النظر عن ترشيح كوادر زرقاء؟ أم مجرد إبقاء الباب مواربًا بانتظار تبلور ظروف داخلية وإقليمية ربما تكون أكثر ملاءمة؟

ثمة من رأى في كلام الحريري تشكيكًا ضمنيًا بجدية إجراء الانتخابات في موعدها، خصوصًا أن الاستحقاق المعلن في العاشر من أيار دخل مرحلة الترشيحات الفعلية، وكأن الحريري يقول إن تحديد الموعد الدستوري شيء، وتوافر القرار السياسي لإجرائه شيء آخر، لذلك طلب “إبلاغه” بالموعد، في إشارة فهمها البعض على أنها رسالة سياسية أكثر منها استفسارًا إجرائيًا.

في المقابل، توافقت غالبية القراءات على أن العودة الحريرية الكاملة لم تُحسم بعد، فلو أراد الحريري إعلان عودة شاملة، لما كان هناك توقيت رمزي أهم من ذكرى استشهاد والده، ليُحدث زلزالا زلزالا سياسيا يعيد خلط الأوراق ويدفع القوى الأخرى إلى إعادة حساباتها السياسية والانتخابية، لكن الحريري اختار التموضع في المنطقة الرمادية، ما يعني إدراكه لحساسية المرحلة وتعقيداتها، سواء على المستوى الداخلي المأزوم أو في ظل التحولات الإقليمية التي لطالما أثّرت في خيارات التيار الأزرق.

بعض المتابعين لم يُخفِ تخوّفه من أن تكون الذكرى الحادية والعشرين كسابقتها في العام الفائت عندما أعلن الحريري أن “المستقبل سيكون صوت الناس في كل الاستحقاقات” لكن ذلك لم يترجم في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما يجعل هاجس خيبة الأمل حاضرا لدى شريحة من الجمهور الذي يريد وضوحا لا يحتمل التأجيل.

بين التلميح والتصريح، أبقى سعد الحريري ورقة عودته السياسية مستورة، مؤجلًا كشفها إلى اللحظة المناسبة، وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال معلّقًا: هل ما قيل كان تمهيدًا لعودة مدروسة، أم رسالة سياسية أراد منها تثبيت الحضور من دون الانخراط الكامل في معركة لم تتضح معالمها بعد!..