Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر May 13, 2026
A A A
بكين قمة ترسيم موازين القوى الدولية
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم تكن الحال قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران كما هي بعدها، وما كانت قمة بكين التي سوف تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جينبينغ تنعقد في ظروف مماثلة لما هي عليه اليوم والحرب في ذروتها في منطقة وسط جغرافياً بين أميركا والصين على ضفاف خزان النفط العالمي، والمنطقة التي كانت حتى الأمس مصدر فائض قوة أميركي وصارت اليوم عنواناً للقلق الأميركي، ويصعب تصديق أن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين كانت مجرد زيارة تشاور واطلاع متبادل على التصورات والمعلومات، بقدر ما كانت لحظة تخطيط لكيفية ربط الحرب بالقمة، ولعل هذا ما يفسّر الورقة الإيرانية التي تُرِك ترامب ينتظرها لأيام حتى جاءت مخيّبة لتوقعاته مستفزة لغضبه عشية السفر إلى بكين وهو مغلول اليدين.

لأن اللحظة تصنع الدور، يمكن القول إن القمة الأميركية الصينية في بكين لا تبدو مجرد لقاء ثنائي تقليدي بين قوتين عظميين، بل أقرب إلى «قمة إدارة أزمة نظام دولي» تتداخل فيها الحرب والتجارة والطاقة والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية في لحظة واحدة. الجديد هذه المرة أن الطرفين يدخلان القمة وهما يشعران بالقوة والضعف معاً؛ كل منهما يملك أوراق ضغط استراتيجية، لكنه يخشى في الوقت نفسه كلفة الانفجار الشامل.

الولايات المتحدة تدخل القمة من موقع قوة عسكرية ومالية وتقنية، لكنها تدخل أيضاً من موقع حاجة واضحة. فواشنطن تريد قبل أي شيء منع تحوّل حرب الخليج وإيران إلى حرب استنزاف اقتصادية عالمية، لأن أزمة هرمز بدأت تضغط على أسعار الطاقة والأسواق الأميركية، وتضع إدارة ترامب أمام معادلة خطرة داخلياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. لذلك يبدو أن الملف الإيراني لم يعد مجرد بند أمني، بل تحوّل إلى ملف اقتصادي انتخابي أميركي داخلي.

من هنا، يأتي سعي ترامب إلى استثمار نفوذ الصين على إيران. الأميركيون يريدون من بكين ممارسة ضغط على طهران لإعادة فتح هرمز واحتواء التصعيد، وربما دفع الإيرانيين نحو تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع. وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً مهماً: أميركا التي كانت تتعامل مع الصين كخصم استراتيجي تراهن أنها قادرة على ممارسة سياسة الإملاءات عليه، اصطدمت بحقائق فوارق القوة الاقتصادية بينها وبين الصين مع أزمة الرسوم الجمركية، واكتشاف الحاجة للمعادن الثمينة وشراء الصين للمنتجات الأميركية والخشية من انقطاع سلاسل التوريد الصينية، وهي تختبر اليوم فوارق القوة الجيوسياسية على إيقاع المواجهة مع إيران، وها هي تأتي إلى بكين وقد أصبحت مضطرة لطلب مساعدتها في إدارة أخطر أزمة دولية راهنة.

بالمقابل، فإن الصين لا تدخل القمة كوسيط مجاني. بكين ترى أن اللحظة الحالية تؤكد صحة رؤيتها للعالم: الولايات المتحدة كالثور الهائج تعيش حالة إنكار الحقائق الجديدة، غارقة في حروب مكلفة، بينما الصين تمسك بعصب الاقتصاد العالمي والطاقة وسلاسل التوريد. لذلك ستتعامل مع ملف إيران وهرمز من موقع «الشريك القوي العاقل الذي يملك مفاتيح الحل»، والصين لا تنكر أنها تحتاج فعلاً إلى استقرار الخليج لأن جزءاً ضخماً من وارداتها النفطية يمر عبر هرمز، لكنها ترى أيضاً أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة القوة الأميركية البحرية وعجزها عن فرض الاستقرار بالقوة وحدها.

اقتصادياً، تريد واشنطن تثبيت هدنة الحرب التجارية، والحصول على صفقات تساعد الاقتصاد الأميركي: شراء طائرات بوينغ، وزيادة الواردات الزراعية والطاقة، وربما تفاهمات حول المعادن النادرة والفنتانيل. لكن الأهم أميركياً هو الانطلاق من واقع العجز عن وقف الصعود التكنولوجي الصيني، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية. لذلك تدخل أميركا القمة من منطلق «احتواء الصين»، لا منطلق الشراكة المتكافئة.

في المقابل، تريد الصين تثبيت اعتراف أميركي ضمني بأنها قوة مساوية للولايات المتحدة في صناعة المشهد العالمي، وليست مجرد منافس اقتصادي. لذلك تطرح ملفات تايوان والتكنولوجيا والمعادن النادرة من موقع قوة. بكين تدرك أن واشنطن اكتشفت حدود قدرتها على خنق الاقتصاد الصيني، خصوصاً بعدما استخدمت الصين سلاح المعادن النادرة وأربكت صناعات أميركية حساسة. لهذا يبدو أن شي جينبينغ يسعى إلى تكريس معادلة جديدة: لا يمكن إدارة الاقتصاد العالمي أو أزمات الطاقة أو حتى حرب الخليج من دون الصين.

أما تايوان، الملف الأكثر حساسية واستراتيجية، فتنتقل من ورقة قوة أميركية للضغط على الصين طلباً للتنازلات لتصبح صندوق الدفع الأميركي للأثمان. والصين تريد انتزاع تعديل تدريجي في اللغة السياسية الأميركية: من «عدم دعم استقلال تايوان» إلى «معارضة استقلال تايوان». هذا ليس تفصيلاً لغوياً بالنسبة لبكين، بل محاولة لتثبيت تحول سياسي دولي طويل المدى حول شرعية إعادة توحيد الجزيرة مع الصين. في المقابل، قد يستخدم ترامب ملف تايوان كورقة مقايضة للحصول على تنازلات اقتصادية أو تعاون صيني في ملفات إيران والطاقة والتجارة.

لهذا يمكن القول إن ملف إيران وحرب الخليج يقع في قلب القمة لا على هامشها؛ لأن الحرب هناك أعادت ترتيب عناصر قوة وأولويات الطرفين: أميركا تريد مخرجاً يخفف الخسائر ويمنع الانهيار الاقتصادي، بينما الصين تريد استثمار الأزمة لتكريس نفسها كقوة لا غنى عنها في إدارة النظام الدولي الجديد. القمة بالتالي ليست قمة تسوية نهائية، بل قمة إعادة ترسيم الموازين في قلب «تنظيم الاشتباك» المستمر بين قوتين تدركان أن الصدام الكامل مكلف، لكن التراجع الكامل مستحيل أيضاً.