Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر March 11, 2026
A A A
بحثاً عن قرار لبنانيّ – لبنانيّ.. لحظةُ الاختيار بين الإنقاذ والانهيار…
الكاتب: د. مهى محمّد مراد - اللواء

في لحظاتِ الأزماتِ الكبرى، لا تُقاسُ قوّةُ الدّول بما تمتلكُهُ من مواردَ فقط، بل بقدرتِها على اتخاذِ القرار في الوقت المناسب… ولبنانُ اليومَ يقفُ أمام واحدةٍ من تلك اللحظاتِ الحاسمةِ التي لا تقبلُ التردّدَ ولا تحتملُ المزيدَ من التأجيل، فالبلادُ التي عاشتْ طويلاً على تسوياتٍ مؤقّتة وترقيعٍ سياسيّ، باتت تواجهُ سؤالاً وجودياً: هل يستطيعُ اللبنانيون إنتاجَ قرارٍ وطنيّ شجاع يُعيد للدّولة قدرتَها على الحكم، أم أنّ دواّمة التعطيل ستبقى أقوى من إرادة الإنقاذ؟

فلم تعدِ الأزمةُ اللبنانيّة مجرّد أزمة حكومية أو خلافٍ سياسيّ بين أطراف متنافسة، بل ما يعيشه لبنانُ اليوم هو أزمة دولة بكلّ ما للكلمة من معنى: أزمةُ قرار وأزمة مؤسّسات وأزمة ثقة بين السلطة والمجتمع. ومعَ كلّ محطة سياسيّة تتكرّر الأسئلةُ ذاتُها: من يملكُ القرار؟ ومن يتحملُ المسؤولية؟ وهل ما زال اللبنانيون قادرين على إنتاج قرار لبنانيّ – لبنانيّ يضع البلادَ على سكّة الإنقاذ؟

 

فقد أثبتتِ السنوات الماضية أنّ إدارة الأزمة لم تعدْ كافية، وأنّ سياسة تأجيل الحلول لم تعدْ قابلة للاستمرار. فالدّولة التي تعيش في حالة انتظار دائم تفقد تدريجياً قدرتها على الحكم، وتتحوّل مؤسساتُها إلى هياكلَ شكلية عاجزة عن أداء دورها. لذلك فإنّ اللحظة الراهنة ليست لحظة تسوياتٍ جزئيّة، بل لحظة اختيار سياسيّ واضح بين استمرار الانحدار أو الشروع في مسار إنقاذيّ جِديّ.

فأيّ قرار نحتاج؟ ولأيّ منظومة سياسية؟

في الواقع، إنّ القرار المطلوبَ اليوم لا يقتصر على معالجة نتائج الأزمة، بل يجبُ أن يطالَ جذورَها السياسيّة والمؤسساتيّة، فالنظامُ السياسيّ اللبنانيّ، الذي قام أساساً على مبدأ التوازن بين مكوّنات المجتمع، تحوّل معَ مرور الزمن إلى ساحة تنافس على النفوذ أكثر منه إطاراً لإدارة الدولة. وهنا تكمن المعضلِة الأساسية: حين تتحوّل الدولة إلى مجموعة مراكز قوة متنافسة، يصبح القرارُ الوطنيّ أسيرَ الحسابات الضيّقة بدل أن يكونَ تعبيراً عن المصلحة العامة.

 

إنّ المطلوبَ ليس تغيير هُويّة النظام بقدر ما هو إعادة الاعتبار لمنطق الدولة داخل هذا النظام، فالدساتير لا تفشل بذاتها، بل تفشلُ حين يُساء تطبيقُها أو تُعطّل مؤسساتها. ومن هنا فإن القرارَ الإنقاذيّ يبدأ من الالتزام الصارم بقواعد العمل الدستوريّ، ومن إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية السياسية في إدارة الدولة.

أمّا ما بين النصّ الدستوريّ والممارسة السياسية، فالمفارقة في الحالة اللّبنانية أنّ النصوص الدستورية ما زالت قائمة، لكنّ الممارسة السياسية كثيراً ما تسيرُ في اتّجاه معاكس لها. فالتعطيلُ أصبح أداةً سياسية، والتأجيلُ تحوّل إلى أسلوب حكم، فيما تُترك مؤسساتُ الدولة في حالة انتظار دائم لتسويات ظرفية.

 

إلى جانب ذلك، فإنّ لبنانَ جزءٌ من منظومة دولية تحكمها التزاماتٌ واضحة وقراراتٌ دولية يفترض احترامها، غيرَ أنّ التعامل الانتقائي معَ هذه الالتزامات ساهمَ في إضعاف موقع لبنانَ الخارجي وأفقده جزءاً من الثقة الدولية التي يحتاجها في هذه المرحلة الدقيقة، حيث أنّ إعادة التوازن بين النصّ الدستوريّ والممارسة السياسية، وبين السيادة الوطنيّة والالتزامات الدولية، تشكّل خطوة أساسية لاستعادة صدقية الدولة.

سؤالٌ يُطرح: هل الـحكومة تواجه مرحلة ضعف غير مسبوقة؟

 

من الواضح جداً أنّه لا يمكنُ إنكارُ مسألة أنّ لبنان يعيشُ اليوم واحدة من أصعب مراحله في تاريخه الحديث، فالأزمة الاقتصادية والمالية، إلى جانب التراجع في أداء المؤسسات العامة، وضعتِ البلادَ في موقع هشّ داخلياً وخارجياً، وفي مثل هذه الحالات تلجأ الدول عادةً إلى مراجعة جذريّة لأداء حكوماتها، وقد يكون التعديل الوزاري أحد الأدوات الطبيعية لتصحيح المسار وإعادة الحيوية إلى السلطة التنفيذية.

غير أنّ التعديل الوزاريّ، في جوهره، لا يجب أن يكون مجرّد تبديل في الأسماء، بل خطوة تعكس إرادة سياسيّة واضحة في تحسين الأداء وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطنُ الذي يعيش تحت وطأة الأزمات المتراكمة لم يعدْ يكتفي بالوعود، بل ينتظر خطوات عملية تؤكد أنّ الدولة قادرةٌ على تصحيح أخطائها.

ومن المتعارف، أنّ الدولة لا تستقيم بلا توازن بين السلطات، وبالتالي، إنّ استقرار أيّ نظام سياسيّ يقوم على توازن فعليّ بين ثلاث سلطات أساسية: سلطة سياسيّة تدير الدولة، وسلطة أمنية تحمي الاستقرار، وسلطة قضائية تضمن العدالة، وعندما يختلّ هذا التوازن، تتراجع هيبة الدولة ويضعف حضور القانون.

في الخلاصة، لبنانُ اليومَ في حاجة ماسّة إلى إعادة تثبيت هذا التوازن، فالقضاء المستقلّ يشكّل الركيزة الأولى لقيام دولة القانون، والمؤسسات الأمنية القادرة تشكّل الضمانة الأساسية للاستقرار، فيما تتحمّل السلطة السياسية مسؤولية القرار وإدارة الدولة، ومن دون هذا التكامل بين السلطات، تبقى الدولة عرضةً للارتباك والتعطيل.

إنّ السؤال المطروح اليوم لم يعد: ما هي الحلول؟ فالحلول معروفة ومطروحة منذ سنوات، السؤال الحقيقيّ هو: هل توجد الإرادة السياسية لاتخاذ القرار؟

فلبنان يقف اليومَ عند مفترق تاريخي… فإمّا أن ينجح اللبنانيون في إنتاج قرار وطنيّ شجاع يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وإما أن يستمرّ الانزلاق نحو مزيد من التراجع والضعف. فالإنقاذ ليس شعاراً سياسياً، بل عملية تبدأ بقرار واضح يعيد للدولة دورها وهيبتها.

وقد أثبت التاريخ أنّ الدول لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجياً عندما يغيب القرار وتضيع المسؤولية. ومن هنا فإن اللحظة اللبنانية الراهنة ليست مجرد محطة سياسية عادية، بل اختبار حقيقيّ لقدرة اللبنانيين على حماية دولتهم وصَون مستقبلهم.

فهل تكون هذه اللحظة بداية القرار اللبناني–اللبناني الذي طال انتظاره؟

فلبنانُ اليوم لا يحتاج إلى مزيد من النقاش بقدر ما يحتاج إلى قرار. والقرار، إن تأخّر أكثر، قد يجعل كلفة الإنقاذ أعلى بكثير من قدرة البلاد على الاحتمال.