Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر August 2, 2016
A A A
انهيار العملات في 10 دول عربية… والخليجية صامدة!
الكاتب: عماد المرزوقي - الراي

تراجعت عملات 10 دول عربية في سقوط مدوٍ ومقلق خلال العقود الماضية… وبعد ما كانت هذه العملات متماسكة في وجه الدولار انهارت قيمتها تماما امام العملة الخضراء، وباتت كميات كبيرة من النقود تتبخر سريعاً امام العملة الصعبة. لكن الانخفاض الكبير للعملات العربية تركز في دول «الربيع العربي» والدول التي تعاني اضطرابات اجتماعية واقتصادية، وتزايدت فيها معدلات الفساد، بينما صمدت العملات الخليجية…. صمود قد يتأثر، حسب بعض المحللين، اذا ما تراجعت أسعار النفط الى ما تحت 20 دولاراً للبرميل، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد أساساً على النفط.

وفي هذا السياق، يقول المحلل المالي فهد الشريعان أن «عملات غالبية الدول العربية تعرف هزة غير مسبوقة، وعوامل ذلك تزايد عدم الاستقرار الأمني ومحدودية أفقه في المستقبل». مستدركاً في تصريح لـ»الراي» بان «العملات الخليجية الناجية الوحيدة من الهزة الكبيرة امام الدولار، قد تبقى صامدة اذا بقي الاستقرار السياسي والاجتماعي، كما هو الحال عليه، وقد تتأثر حال العملات العربية المنهارة، اذا انخفضت أسعار النفط دون 20 دولاراً، ما قد يضر عملات الدول الخليجية المعولة أساساً على ايرادات النفط». ويضيف الشريعان ان انخفاض سعر صرف العملات، يعود ايضاً إلى عدم تنوع الايرادات، وبالتالي يحذر من ان نقص تنويع ايرادات الدول الخليجية «قد يكون ثغرة تتأثر بموجبها العملات اذا حدثت هزة عنيفة لأسعار النفط واستقرت لأمد معين».

من جهته، يستبعد المحلل ميثم الشخص «اي تأثر للعملات الخليجية بسيناريو انهيار العملات العربية الأخرى، نتيجة متانة اقتصادات دول مجلس التعاون». ويقول «ان العملة الكويتية، خصوصاً، والخليجية عموماً، مستقرة نظراً لربط بعض العملات بسلة عملات، ناهيك عن تعزز احيتاطات النقد الأجنبي والذهب في البنوك المركزية الخليجية». وبذلك فان «ميزة الاستقرار التي تنعم به دول الخليج هو الذي انقذ عملاتها من تراجع غير مسبوق لقيمة أغلب العملات العربية».

السقوط الحر لقيمة العملات العربية، وما يمكن تسميته مجازاً بـ «الانهيار»، يعود إلى تسجيل أكبر معدل تضخم لعملات اكثر من 10 دولة عربية مقارنة بفترة ما بعد الخمسينيات وما بعد الاستقلال. هذه العملات يمكن تصنيفها مجازاً بـ «العملة السهلة»، اذ أصبح من الصعب عليها، اللحاق بالعملات «الصعبة»، مثل الدولار الاميركي واليورو الاوروبي والجنيه الاسترليني والفرنك السويسري.

فقد خسر كل من الجنيه المصري والسوداني، والليرة اللبنانية والسورية، والريال اليمني، والدينار العراقي والتونسي والليبي، والشيلن الصومالي، والأوقية الموريتانية، نسبة كبيرة ومتفاوتة من قيمتها الاساسية، خلال الـ 50 سنة الاخيرة، ما أدى إلى زيادة الضغوطات الاجتماعية على الطبقتين الوسطى والفقيرة.

4390-12670965937002

وفيما استمر سعر صرف الليرة اللبنانية إلى بداية الثمانينيات قوياً امام الدولار، الذي كان يساوي اقل من 3 ليرات، أصبح اليوم يساوي اكثر من 1500 ليرة، اي بنسبة انهيار لا يمكن حتى حسابها. وفي بعض المراحل وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 3000 ليرة لبنانية.

اما الجنيه المصري، القوي امام الدولار بين الستينيات والسبعينيات – حيث كان الدولار يساوي بين 1 الى 2.5 جنيه، فتدنى سعره في شكل غير مسبوق، حيث اصبح الدولار يساوي تقريباً 12 – 13 جنيهاً.

الدينار التونسي، الذي كان يعادل الدولار في التسعينيات، انخفضت قيمته خصوصاً في السنوات الخمس الأخيرة، ليصبح الدولار يساوي نحو دينارين ونصف الدينار.

اما الريال اليمني، الذي كان سعر صرفه بين السبعينيات والثمانينيات عند مستوى 4.5 ريال مقابل الدولار الواحد، فاصبح 250 منه تقريباً يساوي دولاراً.

الليرة السورية، تدهورت قيمتها من 3 – 4 ليرات في الثمانينيات، إلى 500 مقابل الدولار الواحد.

الدينار العراقي كان في منتصف السبعينيات يساوي نحو 4 دولارات، لتتدهور قيمته بعد الحرب مع ايران وحرب الخليج الأولى والثانية والفوضى الداخلية إلى 1180 ديناراً مقابل الدولار الواحد.

اما الدينار الليبي فبعدما كان يساوي نحو 3 دولارات، فقد قيمته بين الثمانينيات والتسعينيات بسبب الحظر الاقتصادي لتثبت قيمته منذ العام 2000 على المعادلة التالية: 1 دولار يساوي 1.3 دينار. اما اليوم فتدنى سعره إلى نحو 3.800 مقابل الدولار.

الجنيه السوداني كان في فترة الستينيات، يساوي نصف دولار واحد، ثم تعززت قيمته في السبعينيات ليصبح الجنيه، 3 دولارات. اما اليوم فانهارت تماما قيمته خصوصا بعد انفصال الجنوب عنه، لينحدر اليوم الى نحو 6 جنيهات مقابل الدولار.

وكان تم ربط الجنيه بالدولار الأميركي في أغسطس العام 1971، ومنذ نهاية السبعينيات بدأ السودان يستخدم سياسة تخفيض سعر الصرف كأداة لتحقيق التوازن الخارجي.

اما الشيلن الصومالي، فقد كان في 1960 قوياً امام الدولار، حيث كان الدولار الواحد يساوي 7.14 شيلن انذاك. لكن اليوم سعر صرف الشيلن انهار تماماً واصبح الدولار يساوي 550 شيلناً. اما الأوقية الموريتانية التي أصدرت العام 1973 فانحدرت قيمتها امام الدولار في سقوط حر خلال العقود الماضية. وكان الدولار في السبعينيات يساوي 28 أوقية، اما اليوم فقيمته بلغت 354 أوقية.

وتعاني الدول التي انهارت عملاتها امام الدولار، وفق تحليل الشخص، من «تدهور موقف ميزان المدفوعات والندرة العامة في النقد الأجنبي مع الحاجة الكبيرة للصرف على مشروعات التنمية». وقال ان «الانهيار الكبير للعملات العربية، ما عدا الخليجية، يمكن تفسيره في استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني، إضافة إلى ارتفاع مديونياتها الخارجية وتراجع احتياطات النقد الأجنبي والذهب في بنوكها المركزية».

كما يعتبر الشخص ان لجوء بعض الدولة الى ابقاء عملاتها متدنية من اجل تشجيع الاستثمار الخارجي والتجارة الخارجية «يمكن ان تستفيد منه هذه الدول لكن ليس على المدى الطويل بل موقتاً، لأن الاستثمار الخارجي في الدول التي تنهار فيها العملة، يمكن ان يشهد ارتفاعاً، لكن بالتوازي مع استقرار هذه الدول سياسياً وامنياً وايضا مع تحسن الادارة وتراجع الفساد الاداري المستشري في دول عربية كثيرة».

من جانبه، أوضح الشريعان أن «تدني العملات في بعض الدول المستقرة، قد يكون مفيداً وجالباً للاستثمارات الخارجية. لكن تحقيق ذلك يفترض وجود افق امني مزدهر. لكن اي تراجع مستمر للعملة يكون خارج سياق سيطرة السياسة النقدية للدول فهو يعكس حالة من التدهور التي لا يمكن علاجها الا بعودة الاستقرار السياسي والأمن لخلق جو من الثقة في الاقتصاد ولدى المستثمرين».

اما الشخص فيعتبر ان تدني قيمة العملة في بعض الدول العربية «قد يجعل بعض السلع رخيصة مقابل عملات اساسية قوية، لكن تدني قيمة السلع مقابل الدولار او العملات القوية في الخليج على سبيل المثال، لا تمثل فرصة بالضرورة امام التجار او المستثمرين لتعزيز تجارتهم مع الدول التي تفقد العملة فيها قيمتها». ففي هذه الحالة يقول «تكون نسبة المجازفة عالية للمستثمر في هذه الدول والذي قد يختار صفقات وقتية قصيرة الأمد ليستفيد من تدني العملة ويقوم بشراء سلع وليس بالاستثمار طويل الأمد، بسبب ان قيمته بعملته الوطنية قد تتراجع اذا زاد وصلت العملة في ذاك البلد تكبد خسائر اكثر. ويصبح العائد على الاستثمار غير مربح بالمقارنة بالعملة الوطنية للمستثمرين».

الى ذلك، بينت تقارير اقتصادية ان الدول العربية والتي ترنحت فيها عملاتها في شكل غير مسبوق امام الدولار، تشهد مضاربة على العملة في السوق السوداء ما يزيد من ضرب العملة الوطنية. كما ان نقص الانتاج الوطني ونمو البطالة يضغط على العملة. الى ذلك «فان سياسات الدول في خياراتها الاقتصادية تؤثر بدورها على سعر صرف العملة. فالسياسات النقدية في دول الربيع العربي على سبيل المثال لم تستطع تدارك فقدان عملاتها الوطنية لقيمتها بل تركتها تنزف الى حد كبير»، يوضح الشخص.

واتسعت اليوم الفجوة بين عملات العرب والغرب لتصبح كبيرة جداً بما لا يمكن تصور اثرها مستقبلاً على الغلاء وقيمة عيش الفرد في الوطن العربي ما عدا دول الخليج. كما لا يستبعد بعض الخبراء ان يجر انهيار قيم العملات العربية الى مزيد من التداعيات على الاستقرار المجتمعي في الوطن العربي. ويقول الشريعان «ان العملات على ساحات حرب واسعة ولا يمكن ان تعزز ان لم تؤسس المقومات المهمة لبناء المجتمع. فمن دون ذلك لا يكون هناك افق للاستثمار. كما ان حركة التجارة مرتبطة بالأمان».

كيف يتم التحكم في سعر الصرف؟
يعمل سعر الصرف على دعم الوظيفة التوزيعية التي تقوم بها التجارة الخارجية من خلال توزيع الثروات الوطنية عن طريق التبادل التجاري.

وهذه الوظيفة التي يمارسها سعر الصرف يمكن ان تنعكس في حالة رفع القيمة الخارجية لعملة البلد، اذ ان ذلك يجعل الدول المستوردة تدفع زيادة على الاستيرادات توازي نسبة رفع القيمة الخارجية لعملة البلد المصدر للبضاعة، كما ان تخفيض القيمة الخارجية للعملة يؤثر سلباً على حصيلة العملات المتحققة في ذلك البلد من قبل الدول الأخرى في حالة تصدير هذه الأخيرة منتجاتها الى البلد الأول.

وتقتضي تسوية المعاملات والمدفوعات الدولية وجود أداة للتسوية ومقياسا للقيمة، فاقتناء سلعة معينة من بلد معين لا يتم دفع قيمتها بالعملة المحلية. ففي العالم عملات بعدد دوله وما يشكل فرقاً بين هذه العملات يشكل ما يدعى بسعر الصرف. وتعتبر آلية سعر الصرف، العنصر المحوري في اقتصاد المالية الدولية، كما تعتبر عنصر القطب في الفكر المالي الحديث، ولها أهمية بالغة في تعديل وتسوية ميزان المدفوعات للدولة وخصوصا تلك البلدان النامية.