Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر January 22, 2026
A A A
الولايات المتحدة في مواجهة كابوس الدين العام المتفاقم واحتضار الدولار
الكاتب: حسن حردان - البناء

إلى متى تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على الدين العام المتنامي بسرعة غير مسبوقة؟

وهل إيغال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سياسة استخدام القوة للسطو على ثروات الدول، ورفع الرسوم الجمركية، بإمكانه احتواء أزمة الدين والحد من تداعياتها السلبية على الاقتصاد الأميركي ومستوى الحياة الأميركية؟

هذه الأسئلة تطفو الى السطح وتطرح بقوة هذه الايام وتحتاج الى أجوبة.

ذلك ان قضية الدين العام الأميركي ومستقبل الدولار من أكثر الملفات تعقيداً في الاقتصاد العالمي المعاصر، حيث يختلط فيها الاقتصاد الصرف بالجيوسياسة والقوة العسكرية.

فقد اقترب الدين العام الأميركي من كسر حاجز 38.5 تريليون دولار، مع توقعات بوصوله إلى 40 تريليون دولار بحلول شهر آب المقبل. هذا الرقم يمثل كابوساً حقيقياً نظراً لأن تكلفة خدمة الدين (الفوائد فقط) تجاوزت تريليون دولار سنوياً، وهو ما يعادل ميزانيات دول بأكملها.

أولا: الى متى تستطيع أميركا الاستمرار في طباعة الدولار بلا رصيد؟

من الناحية النظرية، يمكن لأميركا الاستمرار في طباعة الدولار طالما بقي العالم يثق في ثلاث ركائز أساسية:

الدولار كعملة احتياط عالمية: لا يزال الدولار يسيطر على أكثر من 58% من احتياطيات البنوك المركزية حول العالم.

البترودولار: ربط تسعير الطاقة (النفط والغاز) بالدولار، مما يجبر دول العالم على امتلاكه لتأمين احتياجاتها من الطاقة.

القوة العسكرية والسياسية: الرصيد الفعلي للدولار اليوم ليس الذهب (الذي فُك الارتباط به عام 1971)، بل هو قوة الاقتصاد الأميركي والقدرة العسكرية على حماية خطوط التجارة والنظام المالي العالمي.

أما نقطة الانهيار فتبدأ عندما تفقد الدول الثقة في قدرة واشنطن على السداد، أو عند نجاح تكتلات عالمية، مثل مجموعة بريكس، في إيجاد بديل حقيقي وواسع النطاق للتبادل التجاري بعيداً عن نظام السويفت الأميركي.

ثانيا، هل سياسات ترامب باستخدام الرسوم الجمركية والقوة، قادرة على حل الازمة؟

يسعى الرئيس ترامب لاستخدام “القوة الاقتصادية” لإعادة التوازن، ولكن النتائج المحتملة تحمل وجهين:

الوجه الاول، فرض المزيد من الرسوم الجمركية قد يوفر إيرادات تقدّر بـ 6 تريليونات خلال عقد، وتدعم الصناعة المحلية.

لكن في مقابل هذا التأثير الإيجابي للرسوم، هناك تأثير سلبي لها يتمثل في إحداث تضخم داخلي، يؤدي الى ارتفاع الاسعار على الأميركيين، ودفع الشركاء التجاريين الى الرد بالمثل مما يضعف النمو.

الوجه الثاني، استخدام القوة للضغط على الحلفاء للدفع مقابل الحماية، او شراء السلاح الأميركي لخفض العجز… لكن في المقابل يؤدي ذلك الى هروب الحلفاء ودفعهم الى البحث عن بدائل أمنية واقتصادية، كالصين وروسيا، مما يسرّع في احتضار الدولار.

أما السعي الى السيطرة على ثروات الدول، مثل السيطرة على جزيرة غرينلاند، ففي حال نجاحها، فإنها من المتوقع ان تقود في المقابل الى نتائج سلبية تتمثل في خسارة أميركا لعلاقاتها التحالفية، العسكرية والاقتصادية والسياسية، مع دول أوروبا.

انطلاقاً مما تقدم، فإن الرسوم الجمركية مهما ارتفعت تظل “نقطة في بحر” الديون. فالعجز التجاري السنوي يتجاوز تريليون دولار، والديون تنمو بمتوسط 6 مليارات دولار يومياً. اما سياسات القوة، قد تمنح أميركا وقتاً إضافياً، لكنها لا تعالج لبّ المشكلة وهو الإنفاق الفيدرالي غير المنضبط.

لذلك بدون إصلاح هيكلي للإنفاق الداخلي، والاعتراف بأنّ العالم تبدّل، وأميركا لم تعد وحدها تهيمن على السوق العالمية، بعد ان دخلها منافسون جدد.. في حين تظل سياسة الرسوم الجمركية مجرد “مسكنات” لأزمة وجودية قد تؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي بعيداً عن الهيمنة الأحادية…