Beirut weather 27.99 ° C
تاريخ النشر June 10, 2026
A A A
الهدنة والطائف ام إنهاء الحرب أم إنهاء العداء؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

أثار حديث رئيس الجمهورية إلى شبكة CNN نقاشًا واسعًا تجاوز ما قيل عن السلاح أو المفاوضات أو تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، ليركز على عبارة بدت للوهلة الأولى عابرة، لكنها تحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، تظهر أن الرئيس يعرف ما يفعل، ولا يرتكب هفوات بل يعمل وفق خطة ورؤية، وهي قوله إن لبنان يحتاج إلى «إنهاء حال العداء مع “إسرائيل”». وهو يعلم أن العبارة ليست مجرد توصيف سياسي، بل تنتمي إلى قاموس قانوني مختلف تمامًا عن اتفاق الطائف الذي اعتمد نصاً على اعتبار العودة إلى اتفاق الهدنة موضوع الإجماع اللبناني، الذي قرّر الرئيس نسفه بالكامل، رغم محاولته تضييع الفوارق بين إنهاء حال العداء ومفهوم الهدنة.

السؤال هنا ليس ما إذا كان لبنان يريد الحرب أو لا يريدها، لأن أحدًا لا يدعو إلى الحرب بوصفها خيارًا بحد ذاته. السؤال هو: هل المقصود إنهاء حال الحرب أم إنهاء حال العداء؟ والفرق بين المفهومين جوهريّ وليس مجرد فرق لغوي، أو العودة إلى اتفاق الهدنة، وكل من المصطلحات الثلاثة له تجسيد قانوني وسياسي وأمني مختلف.

إنهاء حال الحرب مفهوم قانوني وسياسي معروف، حيث يمكن للدولتين البقاء في حال عداء وإقامة ترتيبات إنهاء حال الحرب، واعتبار أن ما بينهما يجب الاحتكام في حله للقانون الدولي والتقاضي والتحكيم والتفاوض بدلاً من الحرب. كذلك يمكن لدولتين الاحتفاظ بحال الحرب واعتماد حال الهدنة، حيث يمكن أن تتوقف الأعمال العسكرية بين دولتين وأن يتم تثبيت الحدود ووقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وعودة السكان إلى مناطقهم، بينما يبقى كل طرف يعتبر الآخر خصمًا أو عدوًا وفي حال حرب متوقفة. وهذا ما حصل بين لبنان وإسرائيل منذ اتفاق الهدنة عام 1949. الهدنة أنهت العمليات العسكرية المباشرة، لكنها لم تنهِ الحرب ولا أنهت العداء، ولم تلغِ المقاطعة، ولم تمنع لبنان من اعتبار “إسرائيل” دولة معادية، ولم تفرض على الإعلام أو الأحزاب أو المواطنين التخلّي عن موقفهم السياسي منها.

أما إنهاء حال العداء فهو مفهوم مختلف تمامًا؛ فهو لا يتعلق فقط بوقف النار، بل بإعادة تعريف العلاقة السياسية والقانونية مع الطرف الآخر. وعندما تنتفي صفة العداء عن “إسرائيل”، يصبح من الطبيعي أن يُطرح السؤال حول جدوى استمرار قوانين المقاطعة، وحول استمرار النصوص القانونية التي تجرّم الاتصال بـ”إسرائيل” أو التعامل معها، وحول مشروعية استمرار خطاب سياسي أو إعلامي يقوم على اعتبارها دولة معادية. وهنا تُستعاد تجربة اتفاق 17 أيار 1983. والاتفاق لم يستخدم رسميًا تعبير «إنهاء حال العداء»، بل تحدّث عن إنهاء حال الحرب، لكن المضمون العملي للاتفاق كان يتجاوز ذلك بكثير. فقد تضمّن إنشاء لجان مشتركة وآليات تعاون وترتيبات أمنية وسياسية ومدنية كان الهدف منها الانتقال تدريجيًا من مجرد وقف الحرب إلى بناء واقع جديد تنتهي فيه القطيعة السياسية والنفسية والقانونية بين لبنان و”إسرائيل”. ولذلك لم يُنظر إلى الاتفاق يومها باعتباره مجرد اتفاق أمني، بل باعتباره بداية مسار سلام وتطبيع، وهو ما أدّى إلى إسقاطه لاحقًا تحت ضغط الرفض الشعبي والسياسي.

المفارقة أن ما يجري طرحه اليوم يبدو في بعض جوانبه أبعد مما نص عليه اتفاق 17 أيار نفسه الذي تحدث عن إنهاء الحرب، بل يجري الحديث مباشرة عن إنهاء العداء. وبدلاً من أن يكون النقاش محصورًا بوقف النار والانسحاب الإسرائيلي وتطبيق اتفاق الهدنة، وفقًا لنصوص اتفاق الطائف التي يريد الرئيس تذكيرنا أنها نصت على إنهاء السلاح خارج مؤسسات الدولة، يريد الرئيس أن ينتقل النقاش إلى مستوى مختلف يتعلق بطبيعة العلاقة التي يجب أن تربط لبنان بـ”إسرائيل” في المستقبل. وهنا تكمن أهمية التدقيق في المصطلحات؛ فحين تصبح “إسرائيل” دولة غير معادية، فإن ذلك لا ينعكس فقط على السياسة الخارجية، بل يمتدّ إلى التشريعات والإعلام والحياة العامة. عندها يمكن أن يصبح استمرار المقاطعة الاقتصادية موضع تساؤل، كما يمكن أن تصبح الدعوات إلى منع التبادل التجاري أو السياحي أو الثقافي مع “إسرائيل” فاقدة للسند القانوني والسياسي، بل إن الأمر قد يطال الخطاب الإعلامي والحزبي نفسه إذا جرى التعامل مع العداء لـ”إسرائيل” بوصفه موقفًا يتعارض مع التوجهات الرسمية للدولة.

الحديث عن إنهاء العداء ليس مجرد خطوة تقنية أو دبلوماسية، بل هو خيار استراتيجي يعيد تعريف موقع لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي. وهم يخشون أن يتحول الأمر إلى إعادة إنتاج مضامين اتفاق 17 أيار ولكن بلغة جديدة؛ فبدلاً من الحديث عن السلام أو التطبيع، يجري استخدام تعبيرات أكثر مرونة وأقل استفزازًا للرأي العام، بينما تبقى النتائج العملية واحدة وجوهرها إنهاء المقاطعة، وفتح أبواب التواصل، وتقييد كل خطاب سياسي أو إعلامي يقوم على اعتبار “إسرائيل” عدوًا. واللافت أن هذا النقاش يأتي في وقت لا يزال فيه الاحتلال الإسرائيلي قائمًا لأجزاء من الأراضي اللبنانية، ولا تزال الاعتداءات والغارات والاغتيالات تتواصل بصورة شبه يومية. ولذلك يطرح كثيرون سؤالاً بديهياً: كيف يمكن الانتقال إلى نقاش حول إنهاء العداء بينما لم يُنجز بعد إنهاء الاحتلال، ولم تتوقف الاعتداءات، ولم يتم تثبيت الحقوق اللبنانية الأساسية؟

لا يبدو الجدل الدائر حول عبارة رئيس الجمهورية مجرد سجال سياسي عابر، فالمسألة تتصل بخيارات كبرى تتعلّق بهوية لبنان السياسية والقانونية وموقعه في المنطقة. وبين مفهوم إنهاء الحرب ومفهوم إنهاء العداء مسافة واسعة؛ فالأولى يمكن أن تتحقق مع بقاء الخصومة والصراع السياسي، أما الثانية فتمثل بداية مسار مختلف بالكامل، عنوانه الخروج من اتفاق الطائف والانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة صياغة العلاقة مع “إسرائيل” على أسس جديدة. وهذا بالضبط ما يجعل الكلمات في هذه القضية أخطر من أن تُعامل باعتبارها مجرد كلمات.