Beirut weather 15.41 ° C
تاريخ النشر September 9, 2016
A A A
الميثاقية نقيض العقد الاجتماعي
الكاتب: الفضل شلق - السفير

حين أُوجد لبنان المعاصر في العشرينيات من القرن العشرين، اختير له أن يكون بلداً طائفياً، متشكلاً من مكونات طائفية، بحجة أن تاريخه السابق في أيام المتصرفية وحرب 1960 يتطلبان ذلك.

بعدما تنشأ الدولة ينشأ تدريجياً العقد الاجتماعي، ويقرر الناس بمختلف طوائفهم وطبقاتهم، العيش سوية. إذا كان نشوء الدولة يحدث قسراً، فإن العقد الاجتماعي اللاحق يحدث طوعاً. اختار اللبنانيون الميثاق الطائفي قاعدة للعقد الاجتماعي ولم يختاروا الميثاق الإفرادي. ولم يكن بوسع اتفاق الطائف سوى تكريس ذلك. الحجة دائماً أن الطائفية تدبير موقت.

الميثاقية الطائفية هي أن يكون الميثاق أو العقد من أجل العيش سوية، مُشكَّلاً بين طوائف تنوب عن الناس وليس بين أفراد يمثلون أنفسهم. في الدول الغربية، سواء الملكية منها أو الجمهورية، يتكون العقد الاجتماعي من أفراد. ربما كان ذلك بسبب التطور الاجتماعي الذي أدى مع الحداثة إلى حرية الفرد في مواجهة الدين والطائفة والمذهب والإثنية، وغير ذلك من تشكيلات تكون وسيطاً بين الفرد والدولة. ليس في الطائفية أفراد، هم ليسوا إلا براغي في دولاب الطائفة. الطوائف هي الشعب. الشعب عملياً كيان غائب. الطائفة هي الواقع، هي مصادرة الشعب.

العقد الاجتماعي يتشكل من أفراد يعمل كل منهم حسب ضميره الفردي لا حسب ما تمليه الطائفة ومن يسيطر عليها. الفرد سيد نفسه، ليس خاضعاً لكيان خارجي عنه. لا أخلاق إلا عندما يكون السلوك نابعاً من الضمير. تلغى الأخلاق عندما يكون السلوك خضوعاً لكيان خارجي أرضي أو سماوي، طائفة أو قومية أو مذهباً. ولا مواطنية إلا بالفرد المتمسك بحريته وضميره، في مواجهة كل ما هو خارج ذاته. لا يمنع ذلك من وجود طوائف وإثنيات، لكنها تكون ثانوية أو هامشية بالنسبة لأولوية الفرد. ينتمي الفرد لنفسه قبل أن ينتمي للطائفة. يكون مواطناً وليس مجرد واحد من الرعية. يسوق ولا يساق.

الميثاق الطائفي مصدر عدم استقرار دائم. لا تعرف الطوائف إلا مصلحتها وما يناسب قادتها. تعتبر كل مكسب للآخرين خسارة لها. تريد حصتها، وتعتبر الحصة حقاً لها. وإذا توهمت أنها لم تنل الحصة المناسبة تنادي بالمظلومية. تعادي الدولة، تهدد المجتمع. لا ترى من الدولة والمجتمع إلا ما تعتبره حقاً لها.

الأفراد ليسوا تشكيلات اجتماعية. لا يستطيعون تهديد الدولة والمجتمع سواء خسروا ما يعتبرونه حقاً لهم أو كسبوا حقوقاً، فكل واحد منهم أعجز من أن يقاوم تركيبة النظام والمجتمع، وتبقى الدولة أملاً وحيداً. في مجتمع الأفراد دون طوائف تصير المساواة ممكنة، وهذه تؤدي إلى العدالة، على الأقل في الاعتبار السياسي، حتى ولو بقيت الفروق الطبقية موجودة.

إن عجز الفرد أمام الدولة في المجتمع الإفرادي يؤدي إلى الخضوع للقانون وإلى تطبيق الدستور. عجز يؤدي إلى الانتماء ثم إلى الولاء للدولة. هيبة الدولة تفرض نفسها. الانتظام في إطارها هو الحياة الوطنية وهو العيش المشترك. يصير القانون تدريجياً مدخلنا أي جزءاً من ضمير الفرد. يتماهى الفرد بالدولة، ولو تدريجيا. النتيجة هي العيش المشترك. لا تنبع الدولة من الوطن بل من الأفراد الذين يعيشون في إطارها. ولاء الأفراد من دون وساطة الطائفة يتيح للدولة أن تفرض نفسها. تصير الضرورة اختياراً. ما بدأ قسراً يتحول إلى حرية فردية؛ سلوك حسب الضمير الفردي؛ انتظام في سياق عام. من هذا السياق تعيد الدولة تشكيل نفسها متحولة من سلطة غاشمة إلى عيش مشترك.

الوطن بوجود الطائفة وهم، يبقى كذلك إلى أن يتحرر الأفراد من طوائفهم، ويتحول انتماؤهم للدولة. تصير الدولة حقيقة، وتصير الوطنية تابعة لوجود الدولة. ينشأ الوطن من الدولة لا العكس؛ ينبثق منها، يتبع لها. الدولة تحقق الوطن. تبقى الوطنية انتماء جغرافياً لا معنى له دون السياسة. بالسياسة تؤكد الدولة وجودها. الطائفة تلغي الدولة إذ تمتلك حق النقض وتعطل الانتظام في الإطار العام؛ ينغرز الأفراد في الطائفة، يلغون أنفسهم بالتخلي عن ضميرهم. في المجتمع الإفرادي تنغرز الدولة في الفرد، تصير هي الضمير، يصير القانون جزءاً من ذلك، يكون التقيد به تلقائياً. يتماهى القانون مع الأخلاق. تجاوز القانون ومخالفته هما سمة النظام الطائفي. بالأحرى لا نظام ولا انتظام مع الطائفة. يحتمي الفرد بالطائفة في مواجهة الدولة التي تتلاشى أو تصير بحكم الملغاة.

لا يدور نقاش بين أي عدد من اللبنانيين حول أوضاع بلدهم إلا ويكون السؤال الحاضر دائماً: أين المفر؟ مذهل أن يأتي السؤال ممن جاوزوا السبعين عاماً. ليس وارداً أن يهاجر هؤلاء. يعيش اللبنانيون حالة قلق دائم، قلق على الدولة، قلق على مصيرهم.

الوعي السائد طائفي. معنى الدولة غائب. تلاشي الدولة هو أولاً غيابها أو خروجها من الوعي. الطائفة لا الدولة هي ما يشكل وعي اللبنانيين. وعيهم سبب قلقهم. يعرفون أن الطائفة لا تشكل دولة، وأن الخلاص مرتبط بالدولة لا بالطائفة. السؤال: أين المفر؟ لا يتعلق بالجغرافيا، أي الهجرة من «البلد»، بل هو يتعلق بالهجرة من هذا الوعي البائس، وهذا ما لا يعرفون كيف الجواب عليه.

الميثاقية الطائفية تناقض نفسها. تريد من الدولة أن تكون لها. والدولة هي بالتعريف للجميع.
أين المفر؟ الجواب: أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض!