Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر June 15, 2026
A A A
المونسنيور اسطفان فرنجيه خلال ذكرى ١٣ حزيران: نصلي لكي يحفظ الله لبنان الذي ضحّى شهداء إهدن بحياتهم من أجله
الكاتب: موقع المرده

ترأس المونسنيور اسطفان فرنجيه القداس الالهي لمناسبة ذكرى ١٣ حزيران والقى عظة جاء فيها:
“نلتقي معًا، وكالعادة، لنُحيي ذكرى مجزرة إهدن في هذا المكان بالذات الذي شهد فصولها السوداء، والتي أدّت إلى استشهاد النائب طوني فرنجية وزوجته فيرا وابنتهما جيهان، ابنة الثلاث سنوات، وكوكبة من الأحبّاء الذين رسموا لنا بدمائهم الزكيّة أساسات وطن لا يمكن أن يكون إلا الوطن الجامع لكل أبنائه من شماله إلى جنوبه، والذي تتكسّر على صخوره جميع مؤامرات تقسيمه وضرب عيشه المشترك.
ألم يقل الشهيد طوني فرنجيه يومًا: «إنّ التقسيم لن يمرّ إلا على أجسادنا»؟ وأنّ «لبنان لا يُبنى إلا بالشراكة بين أبنائه»؟
لقد شكّل لبنان، ولا يزال وسيبقى، رسالة سلام مهما عصفت فيه رياح الطائفية والمذهبية، المصطنعة والمنظّمة والمموّلة من الخارج.
لقد شاءت العناية الإلهية أن تعلن الكنيسة الكاثوليكية، ومنذ سنتين، البطريرك اسطفان الدويهي طوباويًا، وهو البطريرك الذي رسم بقدميه حدود الوطن قبل أن يرى هذا الوطن بكيانه السياسي النور، فانطلق من إهدن إلى قنوبين فكسروان فالشوف فالجنوب، وكتب بقلمه تاريخه بكل مكوّناته، فسمّي أبا التاريخ اللبناني.
وفي هذه السنة اختارت العناية الإلهية بطريرك لبنان الكبير، إلياس الحويّك، ليُعلن طوباويًا، وهو القائل: «أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين»، وهو القائل أيضًا: «لا فرق بين مسيحي ومسلم”.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد قرأنا على مسامعكم منذ لحظات صلاةً من صلوات الرب يسوع إلى أبيه، وقد ذكرها القديس لوقا في الفصل العاشر من إنجيله، الذي يبدأ بسرد حدث إرسال يسوع لسبعين تلميذًا، حاملين بشارته إلى كل مدينة وموضع كان هو مزمعًا أن يذهب إليها.
عاد التلاميذ من رسالتهم وهم فرحون وقالوا ليسوع:” يا رب، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك». ولكن يسوع الذي أعطاهم كل سلطان قال لهم: «ولكن لا تفرحوا بهذا: أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كُتبت في السماوات”.
وعندئذٍ يرفع يسوع بفرح وتهليل صلاة حمد وشكر لأبيه على النعم التي فاضت على الرسل والتلاميذ، وهم بشر ضعفاء ومتواضعون كالأطفال، وأخفاها عن المتكبرين والحكماء في أعين أنفسهم.
ما أحوجنا اليوم إلى التمسك بالرب يسوع، «الطريق والحق والحياة»، الذي « اختار جهّال العالم ليُخزي الحكماء، واختار ضعفاء العالم ليُخزي الأقوياء » (1 كور 1: 27).
إن هوية وقوة المسيحي تكمن في اتكاله على الله والتمسك بوصاياه، وأهمها وصية المحبة: ” أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم.”
إن نجاح المسيحي يكمن في التواضع، كما يؤكد الطوباوي يعقوب الكبوشي، وليس في إلغاء إخوته وتشويه صورتهم وتلفيق التهم لهم ونشر الأكاذيب ورفع الشعارات الرنانة والفارغة وزرع الفتن بين الناس واجتزاء الأحداث وتعمية الحقائق.
ما أحوجنا اليوم، والفوضى تعمّ العالم عبر انتهاك القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية، إلى العودة إلى كلمة الله والإصغاء إليها بكل مسؤولية، وخصوصًا من قبل قادة الرأي من سياسيين وإعلاميين ورجال الفكر والدين.
لقد أكّد البابا لاوون الرابع عشر، وهو الصوت الصارخ في برية هذا العالم، موقف الكنيسة الداعي إلى السلام والحوار، والرافض للحروب العبثية والإبادات الجماعية التي لا تستثني الأطفال والشيوخ والمعاقين والطلاب ورجال الدين، والتي يصوّرها أصحابها أو داعموها أو مبرروها، مع الأسف، على أنّها حروب عادلة أو مقدسة، معتبرين أنّها تنطلق من مشيئة الله.
إن هذه المواقف تشوّه صورة السيد المسيح والمسيحية، لأن وصية «لا تقتل» واضحة ولا لَبْس فيها، والسيد المسيح أوضح أن هذه الوصية لا تعني فقط قتل الجسد، بل تمتد لتشمل الجذور الداخلية للخطيئة، مثل الغضب والكراهية والشتائم، حيث اعتبر أن من يغضب على أخيه باطلًا أو يشتمه هو مستوجب الدينونة.
إن كل موقف يدعو إلى قتل الناس أو يشرّع القاتل أو يتعاطف معه، شخصا كان أو دولة أو أي كيان آخر، هو موقف غير إنساني وغير مسيحي.
لذلك نرى المهاتما غاندي يقول في إحدى مقابلاته الصحفية: “أحبّ مسيحكم، لكنني لا أحب بعض المسيحيين؛ فمسيحيوكم مختلفون جدًا عن مسيحكم “.
إن مجزرة إهدن ليست حدثًا معزولًا في المكان والزمان، إنما هي حلقة من سلوك شرير وغير مسيحي و غير مسؤول، ضرب ولا يزال، جسد الكنيسة المارونية، وهو سلوك غير بريء أدّى، ولا يزال، إلى ضرب الوجود المسيحي في لبنان والمشرق، وضرب صيغة المحبة الأخوية الإنسانية، ودعوة يسوع لنا لنكون “مِلحًا للأرض ونورًا للعالم”.
إن أعداء لبنان لا يريدون إلا ضرب العيش الواحد وإمكانية الحوار بين الأديان، إضافة إلى أطماع إسرائيل بأرضه. وقد قال صاحب الغبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في مقابلة إعلامية عام 2025: «إن إسرائيل تسعى للتوسع لتحقيق حلمها»، في إشارة إلى ما يراه نزعة توسعية إسرائيلية باتت مكشوفة للجميع وتشكل تهديدًا للمنطقة.
ووصف قداسة البابا لاوون الرابع عشر لبنان أثناء زيارته له بـ«الأرض المباركة»، وقال إن «لبنان يقف شاهدًا على الحوار بين الأديان». وأشار إلى أن المآذن وأبراج الكنائس المتجاورة تشهد لإيمان اللبنانيين وقدرتهم على العيش معًا رغم الصعوبات.
وذكّر العالم بعبارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني الشهيرة: «لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة»، داعيًا اللبنانيين جميعًا إلى أن يكونوا «صانعي سلام، ورسل سلام، وشهودًا للسلام».
إننا نصلي في هذه الذكرى الأليمة لكي يحفظ الله لبنان الذي ضحّى شهداء إهدن بحياتهم من أجله، ونذكر بشكل خاص الجنوب الحبيب والمقاوم بدم أبنائه وتضحياتهم الجسام ومعاناتهم الطويلة، والذي وصفه المغفور له الرئيس سليمان فرنجيه في خطاب قسمه بـ«الابن اللبناني المريض»، ليعود إليه أبناؤه منتصرين، ويعود إلى عهد السلام والطمأنينة.
نصلي على نية المسؤولين في لبنان، ليمنحهم الله الحكمة والشجاعة، فيضعوا مصلحة الوطن ووحدته فوق كل اعتبار، متكلين على الله وعلى التضحيات في الأرواح والأرزاق التي يقدمها اللبنانيون، وخصوصًا أبناء الجنوب الذين ذاقوا مرارًا مرارة الاحتلال.
ونصلي أيضًا على نية رئيس تيار المرده الوزير السابق سليمان طوني فرنجيه ونجله النائب طوني فرنجيه ، اللذين يحملان قضية الشهداء وقضية لبنان بكِبَر نفسٍ وصدقٍ وحكمةٍ وثبات، دون الدخول في حسابات الربح الضيقة، بل متمسكين بحقوق الوطن ووحدته فوق كل اعتبار، فقد صدق المغفور له الرئيس سليمان فرنجيه حين قال بعد استشهاد نجله: ” قتلوا ابني، لكنهم لم يقتلوا القضية التي آمن بها.”
نعم أيها الأحباء، قضية لبنان الحر والموحد، لبنان العربي والمنفتح، لبنان الرسالة، لبنان العيش المشترك لن تسقط أبدا بقوة الله وشفاعة قديسيه ودماء شهدائه الذين سقوا أرضه وعلى رأسهم الشهيد طوني فرنجيه ومن سقط معه وبفضل التضحيات التي يقدمها اللبنانيون اليوم من أرواحهم وأملاكهم. لقد قال الشهيد طوني فرنجيه : “الأشخاص يزولون أما لبنان فهو باق”.
بعد ثمانٍ وأربعين سنة، تبقى مجزرة إهدن ويبقى الشهيد طوني فرنجيه ورفاقُه أحياء في الذاكرة والضمير، لأن الحرب على لبنان لم تنته فصولها بعد وإن تنوعت أشكالها واختلفت أطرافها.
أخيرا، كتب أحدهم يوما واصفا الشهيد طوني فرنجيه:
” لم يكن طوني فرنجيه خطيبًا يبحث عن التصفيق، بل رجلًا يبحث عن الناس. دخل السياسة من باب الوفاء، وبقي في ذاكرة أهله من باب المحبة. حمل اسم زغرتا إلى لبنان، وحمل لبنان إلى قلب زغرتا. وعندما سقط شهيدًا في إهدن، لم تنتهِ الحكاية، بل بدأت رحلة الذاكرة”.