Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر January 15, 2026
A A A
المرحلة الثانية خطة إعلامية بلا مضمون
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم يعلن الرئيس الأميركي عن تشكيل مجلس السلام الذي يترأسه والمفترض أنه مرجعية حكم غزة سياسياً، ولم يعلن عن تشكيل القوة الدولية الخاصة بغزة التي يفترض أن تكون المسؤولة عن أمن غزة، وتشكل غطاء دولياً لانتشار وحدات من الشرطة قامت مصر بتدريبها، تتعاون مع القوة الدولية، بما يتيح انكفاء قوات حماس العسكرية والأمنية من الواجهة، وأعلن مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف أن فتح معبر رفح أمر يخصّ حكومة الاحتلال ولم يأت على ذكر المساعدات وضمان تدفقها بخلاف ما جرى منذ وقف إطلاق النار بصورة مخالفة لما تم الاتفاق عليه، بل أعلن أولوية مطالبة حماس بنزع سلاحها وضمان تسليم الجثة الأخيرة المتبقية من بين جثث الأسرى الإسرائيليين، فهل هذه هي المرحلة الثانية من الاتفاق حول غزة؟

كان الترتيب الأصلي للمرحلة الثانية يتضمن البدء بنشر القوة الدولية وانسحاب إسرائيلي مواز مع هذه الخطوة، وبالتوازي نشر الشرطة الفلسطينية مع تشكيل الإدارة المحلية الفلسطينية، على أن يرافق فتح المعابر بلا قيود أمام تدفق المساعدات وفتح معبر رفح أمام الفلسطينيين للدخول والخروج من قطاع غزة، والقيام بإعلان بدء المرحلة الثانية بخطوة مجتزأة وبلا قيمة فعلية في حياة سكان قطاع غزة الذين لا يجدون خيمة تصمد أمام الرياح، ولا طعاماً ولا ماء نظيفة ولا دواء ولا مؤسسات صحية، ليس إلا عملاً إعلامياً لتبرئة الاحتلال من مسؤولية تخريب اتفاق غزة، وإيحاء مفتعل للقول إن إدارة ترامب لم تنس غزة وهي تتابع مسؤولياتها نحو تنفيذ الاتفاق، لكن على مقاس ما يناسب الاحتلال.

ربما يكون هذا الإعلان المنسق حكماً مع حكومة بنيامين نتنياهو والمناسب لتطلعاتها، جزءاً من مناورة مزدوجة، تحقق من جهة فرصة للتلاعب بالموقف العربي الرسمي والشعبي عبر الإيحاء بالتزام الرئيس الأميركي بالمضي قدماً لإنجاز الحلّ في غزة، لضمان موقف عربي داعم لواشنطن والامتناع عن أي موقف انتقادي في لحظة تبدو فيها واشنطن عشية عمل عدائي ضد إيران، يعرف العرب وخصوصاً مَن تهتم أميركا لمواقفهم في الخليج أنه يتسبب لهم بمخاطر لا حدّ لها، ويتدخل بعضهم لدى الرئيس ترامب لثنيه عنه، وبالتوازي إلهاء إيران عن الاستعداد لمواجهة هذا العمل العدائي والتلاعب بهم بملهاة المرحلة الثانية، تماماً كما كان الحديث عن جدية المفاوضات النووية عشية شن الحرب في حزيران العام الماضي.

البيان الثلاثي الصادر عن الوسطاء القطري والمصري والتركي يؤكد نجاح ترامب بتحقيق الهدف الأول، إلهاء الجانب العربي والإسلامي وإشغاله بمسرحية غير واقعية، بينما تبدو إيران متيقظة للخداع الأميركي، كما قال الإمام علي الخامنئي محذّراً من المكر والاحتيال كجزء من التحضير للعدوان على إيران، داعياً لأعلى درجات الاستعداد، وما يزيد من الريبة والشك بنوايا واشنطن، كلام ترامب عن الإعدامات في إيران كقضية لم تكن مطروحة أصلاً، وقام ترامب باختراعها، ليربط بالإعدامات العمل العدواني، ثم يقول إنه تلقى تطمينات وضمانات، بأن لا إعدامات قد تمّت ولا إعدامات سوف تتم، وكأنه يوحي بصرف النظر عن العمل العدائي ضد إيران، ما يزيد الشكوك بأن كل الحديث عن الإعدامات كان مفتعلاً للحديث المطمئن، وكأن أسباب العدوان قد زالت.

عملياً نحن لسنا أمام استكمال المرحلة الأولى، فكيف نكون أمام المرحلة الثانية، وكل الترحيب بإعلان ترامب بلا قيمة وبلا مبرر، لأن الواقع في غزة يقول إن لا شيء من أولويات المحاصرين في غزة على الطاولة الأميركية، وإن ما يجري ليس إلا استثمار مكانة قضية غزة ومعاناة أهلها لتسويق سياسي لشيء آخر، وإن الأولويات الإسرائيلية لا تزال هي الأولويات الأميركية، بينما واشنطن تعلن أن مهمة لجنة إدارة غزة نزع سلاح المقاومة، ولا تتحدث عن الانسحاب الإسرائيلي، ولا عن المساعدات، ولا عن فتح المعابر وخصوصاً معبر رفح، ولا يعلم أهل غزة بماذا يحتفل المحتفلون من العرب والفلسطينيين؟

الأولوية الفلسطينية في غزة لا تزال لاستكمال المرحلة الأولى بما يتضمن إدخال المساعدات والخيم والمنازل الجاهزة والمعدات الثقيلة لإزالة الركام وفتح الطرق، وفتح معبر رفح، وهذا كله ليس على جدول الأعمال، بينما مستقبل سلاح المقاومة المؤجل أصلاً لما بعد المرحلة الثانية، وخصوصاً بعد نشر القوة الدولية التي تبدو مؤجلة بطلب إسرائيلي، وما نحن أمامه مجرد خداع للفلسطينيين وللعرب وربما عبرهم خداع لإيران؟