Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 15, 2026
A A A
المادة 37… بين حماية الصحة العامة ومواكبة التطور العلمي
الكاتب: الدكتور حليم طيون

أعاد مجلس النواب اقتراح تعديل الفقرة (ب) من المادة 37 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة إلى اللجان المشتركة لاستكمال دراسته، في خطوة تؤكد أهمية هذا الملف وحساسيته، لما له من انعكاسات مباشرة على صحة المواطنين، وعلى تنظيم سوق الدواء والمتممات الغذائية في لبنان.

ولفهم أهمية هذا النقاش، لا بد من العودة إلى مضمون المادة نفسها. فالمادة 37 وُضعت لتنظيم الإعلان عن الأدوية والمنتجات الصحية، ومنع أي إعلان أو وسيلة إعلامية من إضفاء صفات علاجية على منتج لا يستوفي الشروط القانونية والعلمية المعتمدة. والغاية الأساسية منها هي حماية المواطن من الإعلانات المضللة التي قد تدفعه إلى استبدال العلاج الطبي بمنتجات لم تثبت فعاليتها أو لم تُسجل كأدوية لدى وزارة الصحة العامة.

وفي عام 2010، عُدلت الفقرة (ب) من المادة لتشديد الرقابة على الإعلانات التي تمنح الأعشاب أو المتممات الغذائية أو المنتجات الطبيعية صفات علاجية، وذلك بعد انتشار ظاهرة الترويج لمنتجات تدّعي علاج أمراض مزمنة وخطيرة عبر وسائل الإعلام، من دون أي إثباتات علمية أو موافقات قانونية، مما شكّل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة.

أما اليوم، فإن التعديل المطروح لا ينبغي أن يُفهم على أنه تراجع عن حماية المواطن، بل هو محاولة لإعادة تقييم النص بما يواكب التطور العلمي والتشريعات الحديثة، ويضع إطارًا قانونيًا واضحًا ينظم الإعلان عن المتممات الغذائية والمنتجات الصحية، مع المحافظة على منع أي ادعاءات علاجية غير مثبتة.

ومن هنا، يجب التمييز بوضوح بين الادعاء الصحي (Health Claim)، كأن يقال إن المنتج “يساهم في دعم صحة العظام” أو “يساعد في الحفاظ على الوظائف الطبيعية للمناعة” استنادًا إلى أدلة علمية، وبين الادعاء العلاجي (Therapeutic Claim)، كالإعلان بأن المنتج “يعالج هشاشة العظام” أو “يشفي من السكري أو ارتفاع ضغط الدم”، وهي ادعاءات يجب أن تبقى محصورة بالأدوية المسجلة التي أثبتت فعاليتها وسلامتها وفق الأصول العلمية والقانونية.

إن المطلوب اليوم ليس فتح الباب أمام الدعاية غير المنضبطة، ولا التضييق على قطاع المتممات الغذائية، بل الوصول إلى تشريع متوازن يحمي المستهلك، ويمنع التضليل، وفي الوقت نفسه يسمح بتقديم معلومات صحية صحيحة ومدعومة بالأدلة العلمية، بما ينسجم مع المعايير الدولية.

وفي خضم هذا النقاش، يبقى الصيدلي المرجع العلمي الأول للمواطن في ما يتعلق بالدواء والمتممات الغذائية. فهو ليس مجرد موزع للمنتجات الصحية، بل صاحب اختصاص يقيّم سلامة المنتج، ويحدد مدى الحاجة إليه، وينبّه إلى التداخلات الدوائية والآثار الجانبية، ويقدم المشورة العلمية التي تحمي المريض من سوء الاستخدام أو الوقوع ضحية الإعلانات المضللة.

كما أن نقابة الصيادلة في لبنان تؤدي دورًا وطنيًا أساسيًا في حماية الصحة العامة والدفاع عن أخلاقيات المهنة، وهي شريك لا غنى عنه في أي تعديل تشريعي يمس القطاع الدوائي أو ينظم الإعلان عن الأدوية والمتممات الغذائية. ومن هنا، فإن أي تعديل للمادة 37 يجب أن يتم بالتشاور مع النقابة والاستفادة من خبراتها العلمية، بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على مكانة الصيدلي ودوره المحوري داخل المنظومة الصحية.

إن التشريعات الصحية لا تُقاس بحجم السوق أو الاعتبارات التجارية، بل بقدرتها على حماية الإنسان. ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد أن أي تعديل للمادة 37 يجب أن يكرّس حق المواطن في الحصول على معلومات صحية دقيقة وموثوقة، وأن يحافظ على الدور الرقابي لوزارة الصحة العامة، وعلى المكانة العلمية والمهنية للصيدلي، باعتباره خط الدفاع الأول عن سلامة المريض وحسن استخدام الدواء والمتممات الغذائية.

* منسق قطاع الصيدلة في المرده الدكتور حليم طيون