Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر January 24, 2026
A A A
المؤشرات الاقتصادية لاحتساب النمو غير متوفّرة
الكاتب: جوزف فرح - الديار

كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، لا يرى أن نسبة النمو في العام 2025 بلغت رقماً مرتفعاً، وهي برأيه لم تتجاوز 3%.

في المقابل، يشير التقرير الفصلي لبنك عوده إلى أن نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 5%، عازياً السبب إلى الانكماش الملحوظ الذي سُجّل في العام 2024 جرّاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وإلى التحسن في الطلب الاستهلاكي والاستثماري.

أما البنك الدولي فيعتبر أن النمو كان إيجابياً، متوقعاً أن تبلغ نسبته 4% في العام 2026. وهناك من يذهب بتفاؤله إلى مدى أرحب فيقول إن النسبة تجاوزت 7 أو 8%، وهو مجرّد كلام غير مبني، بحسب غبريل، على أرقام ومنهجية علمية. وفي ظل سياسة مالية انكماشية وسياسة نقدية انكماشية أيضاً، كيف يمكن تحقيق نسبة نمو مرتفعة؟ بعض الخبراء قدّروا النسبة بـ15%، فيما بعض المتشائمين قدّروها بصفر في المئة، يقول غبريل لـ«الديار».

المؤشرات الأساسية ناقصة في الاقتصاد

يقول غبريل: “إن احتساب نسبة النمو في أي بلد يجب أن يتم أولاً بطريقة علمية تتضمن معدلات ومؤشرات اقتصادية ترتكز على العديد من العوامل، وبالتالي فإن مقاربة الموضوع يجب أن تكون علمية بحتة. ثانياً، لدينا في لبنان الكثير من النواقص في المؤشرات، إذ توجد مؤشرات أساسية ناقصة في الاقتصاد اللبناني، ولا توجد شفافية كافية.

ومن بين المؤشرات غير المتاحة الأرقام المفصّلة للمالية العامة: كم هي النفقات العامة، والإيرادات، وكم يبلغ عجز الموازنة أو الفائض فيها، على سبيل المثال لا الحصر. كما توجد مؤشرات أخرى عديدة، مثل مؤشرات البطالة، ومؤشرات الإنتاج الصناعي، وغيرها من المؤشرات الضرورية لاحتساب نسبة النمو”.

ويضيف: “تصطدم اليوم محاولات احتساب نسبة النمو في لبنان بهذا العائق أولاً. كما توجد مؤسسات خارجية تقول إن المؤشرات الاقتصادية في لبنان ضعيفة جداً، ولا توجد مؤشرات كافية لإضفاء الشفافية على الحركة الاقتصادية.

أنا لا أعرف من أين أتت نسبة نمو 5% في العام 2025. علينا أن نكون واقعيين: الحركة الاقتصادية لم ترتفع إلا في النصف الثاني من العام 2025، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، إلى جانب أن الجميع يشكو من عدم وجود قروض مصرفية لمساعدة الحركة الاقتصادية. في شهر تشرين الثاني كانت الحركة شبه جامدة بسبب التهديدات وتوسيع الاعتداءات الإسرائيلية، وهذه الاعتداءات لم تتوقف طوال السنة”.

ويتابع: “من جهة أخرى، من يقول إن نسبة النمو بلغت 5% يبني قوله على أساس الانكماش الذي حصل في العام 2024، وبالنتيجة يجب أن تأتي نسبة النمو بمعدل 7% بشكل تلقائي وتحدث قفزة في الحركة الاقتصادية في العام 2025. لكن كيف ذلك ونحن لم نشهد إعادة إعمار لتكون سبباً لهذه القفزة؟ وبالتالي لا نستطيع الحديث عن قفزة كبيرة بهذا الشكل”.

ويختم في هذا السياق: “توجد مؤشرات متاحة بناءً على المعطيات الموجودة ومستوى الاستهلاك والحركة السياحية والتجارية، ما يجعلني أعتقد أن نسبة النمو في العام 2025 كانت 3%”.

الإصلاحات البطيئة ستؤدي إلى نمو أبطأ

يشير غبريل إلى أنه في بداية السنة كان لديه سيناريوهان:

-الأول يقوم على تطبيق سريع للإجراءات الأمنية والسياسية والاقتصادية والمالية والإصلاحية، ما يؤدي إلى صدمة إيجابية وإعادة الثقة وحدوث نسبة نمو ما بين 5 و6% في العام 2025، تنسحب على السنوات التالية، بحيث تؤدي هذه الصدمة إلى تدفق المساعدات المالية والاستثمارات الأجنبية والعربية بشكل خاص.

أما السيناريو الثاني فيقول إن “الإصلاحات ستأخذ المزيد من الوقت وستكون بطيئة، وكذلك الشق الأمني والسياسي سيكون بطيئاً، ما يؤدي إلى نمو أبطأ من 5 أو 6% سنوياً. لقد حدث السيناريو الثاني فعلياً في العام 2025، ولهذا أعتقد أن نسبة النمو لم تتجاوز 3%”.

ويضيف: “أما نسبة 7% أو 8% التي يتكلمون عنها، فأتمنى أن تتحقق في العام 2026 إذا وصلنا إلى خواتيم الموضوع الأمني والسياسي وبسط الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وحصرية السلاح بيدها، إلى جانب ترسيم الحدود اللبنانية–السورية، ومكافحة اقتصاد الظل، وإعادة هيكلة عميقة للقطاع العام، وإعادة تفعيل العمل المصرفي. إذا تحقق ذلك، يمكننا تحقيق نسبة نمو 5 أو 6% في العام 2026”.

أرقام بلا منهجية علمية

ورداً على سؤال حول نسبة نمو 7% أو 8% في العام 2025، يقول غبريل: “هذه النسبة بعيدة عن الواقع، ولا يوجد أي مؤشر يدل عليها. فإذا عمل أحد القطاعات بشكل جيد في العام 2025، كالقطاع السياحي مثلاً، فهذا لا يعني أن كل الاقتصاد ينمو بالسرعة والنسبة ذاتها.

حتى في القطاع السياحي، لا يوجد أي مؤشر رقمي واضح. لقد توقّف إصدار الأرقام عن الحركة السياحية ونسبة الإشغال في الفنادق منذ شهر نيسان. كما أن وزارة السياحة أوقفت منذ فترة إصدار الأرقام، فيما المفروض في بلد يعتمد على السياحة وجود 12 مؤشراً على الأقل عن القطاع السياحي، بينما واقعياً لا يوجد أي مؤشر حالياً، وحركة المطار ليست مؤشراً كافياً عن الحركة السياحية”.

ويضيف: “كذلك لا يوجد أي مؤشر عن الحركة الصناعية. في الحقيقة، لا نملك أي مؤشرات، ولهذا فإن القول إن نسبة النمو في العام 2025 هي ما بين 7% و8% هو مجرد كلام غير مبني على منهجية علمية لاحتساب النمو، ولا تصدر هذه الأرقام إلا من باب التسويق فقط”.

ويتابع: “المصدر الرسمي لنسبة النمو في الاقتصاد اللبناني هو الحسابات الوطنية التي تصدرها دائرة الإحصاء المركزي، وآخر الأرقام تعود إلى عامي 2022 و2023. أما في العام 2024 فقد صدر عن صندوق النقد الدولي أن هناك انكماشاً بلغ 7%. ونحن اليوم بانتظار الحسابات الوطنية للعامين 2024 و2025. حتى دائرة الإحصاء المركزي تقول إنها لا تملك المؤشرات الكافية لإعطاء التفاصيل الكاملة عن مصادر نمو الحركة الاقتصادية في لبنان”.

ويختم: “برأيي، نسبة النمو في العام 2025 لم تتجاوز 3%، والأرقام الأخرى مع احترامي لمصادرها ليست مقنعة”.

سياسة مالية ونقدية انكماشية

ورداً على سؤال حول إمكانيات نمو الاقتصاد اللبناني، قال غبريل: “إمكانيات نمو الاقتصاد اللبناني وعودته إلى خارطة التنافس الاقتصادي الإقليمي موجودة، لكن لا يكفي وجودها ضمن الخطط والاستراتيجيات، بل يجب أن تُترجم عملياً على الأرض لكي يستطيع لبنان تحقيق نسب النمو الممكنة”.

ويضيف: “قلت في دراسة شاركت بها في بداية العام 2025 إن الاقتصاد اللبناني قادر على تحقيق نسبة نمو 5% إلى 6% سنوياً حتى العام 2029، بحيث يعود حجم الاقتصاد إلى ما كان عليه قبل الأزمة، أي ما بين 53 و54 مليار دولار، في حال طبقنا الإصلاحات بشكل مقنع ومفصّل وجذري وبدون تجزئة. فالإصلاحات لا يمكن أن تتركز على قطاع واحد وإهمال القطاعات الأخرى”.

ويختم: “إلى أن تتحقق هذه الإمكانيات ستبقى نسبة النمو برأيي عند حدود 3%. وفي ظل تطبيق سياسة مالية انكماشية وسياسة نقدية انكماشية نوعاً ما، كيف يمكن تحقيق نسبة نمو مرتفعة؟ لا بد من وجود حد أدنى من المنطق العلمي في هذه المقاربة، إذ بوجود سياسة مالية عامة تقشفية وسياسة نقدية تقشفية أيضاً، لا يمكن تحقيق نسب نمو مرتفعة”.