Beirut weather 19.41 ° C
تاريخ النشر March 2, 2020
A A A
الكيان الإقتصادي يتفكك والمواطن يُعاني من جشع التجّار!
الكاتب: الديار

من يذهب إلى السوبرماركت يُلاحظ ارتفاع الأسعار بشكل كبير. كل السلع ارتفعت أسعارها بأرقام تتراوح بين 25% و100%! إحدى السيدات قالت في تصريح لجريدة “الديار” انها وقبل بدء الأزمة، كانت مُعتادة دفع فاتورة مُشترياتها 400 ألف ليرة إلا أنه ومنذ استفحال الأزمة أصبحت تدفع الفاتورة نفسها 600 ألف ليرة! وعند سؤال التاجر عن السبب، يُجيب أن إرتفاع الأسعار يعود إلى إرتفاع سعر صرف الدولار الأميركي لدى الصيارفة في ظل إمتناع المصارف اللبنانية عن تحويل الأموال إلى الخارج.
الأصعب في الأمر أن التجار يقومون بتسعير سلعهم على أساس سعر دولار الصيرفة، إلا أن مُعظم السلع والبضائع تمّ شراؤها على أساس سعر الدولار الرسمي. وهذا الأمر مُخالف للمرسوم الإشتراعي 73/83 الذي يُعاقب التاجر المُخالف ويُعطي مراقبي مديرية حماية المُستهلك في وزارة الإقتصاد والتجارة حق ملاحقة التجار المخالفين، خصوصًا المادّة التاسعة من هذا المرسوم الإشتراعي التي تنصّ على «يحق لمصلحة حماية المستهلك عند الضرورة ان تطلب من اي منتج او تاجر او بائع تقديم بيانات او معلومات تتعلق بكلفة انتاج او شراء سلع ومواد وحاصلات معينة، والتحقق من صحة هذه البيانات والمعلومات بجميع الوسائل المشروعة».
المادتان السابعة والسادسة عشرة تنصان بالتحديد على تحديد الأرباح ومكافحة التلاعب بالأسعار، لذا تتحمّل الدولة مسؤولية التحقّق من الأسعار التي تُعرض في المحال التجارية على أن تكون الأولوية للمواد الغذائية نظرًا إلى الخطر الذي يُشكّله التلاعب بالأسعار على الأمن الإجتماعي.
وقدّ أفادتنا إحدى السيدات أنها ذهبت إلى محل تجاري لشراء «مسكة» باب وكان ثمنها 40 دولاراً أميركياً. وعند الدفع طلب التاجر 98 ألف ليرة لبنانية. وعند سؤالها عن سعر الدولار الذي اعتمده، قال 2450 ليرة. فإذا بالسيدة تقول للتاجر «لا أريد الدفع بالليرة بل بالدولار وتفضّل هذه 50 دولاراً». فإذا به يُعيد لها العشرة الدولارات الباقية 15 ألف ليرة لبنانية! هذا الأمر يدّل على الجشع والطمع الذي يُدير العلاقة بين التاجر والمواطن.
هل يُعقل تسعير أجرة اليد العاملة بالدولار الأميركي عند مقدّمي الخدمات وتحميلها للمواطن؟ أكبر مثال على ذلك هو محال تصليح السيارات حيث ان الأسعار هي على ذمّة التجّار وسعر دولار الصيرفة! ويكفي رؤية الفاتورة غير الرسمية التي لا يوجد عليها أي رقم مالي أو طوابع لمعرفة أنه تمّ تسعير اليد العاملة بالدولار الأميركي وتمّ تحويلها إلى الليرة اللبنانية على سعر دولار الصيارفة. وتقول بعض المعلومات من مُحيط بعض التجار ومحال بيع/تصليح السيارات ان الربحية عندهم ارتفعت أكثر من 50% (لا يجب الخلط بين الربح والربحية)، والمواطن هو من يدفع الكلفة.
أرباح الصيارفة وربحيتهم ارتفعت بنسب هائلة خصوصًا مع تسييل الشيكات المصرفية التي تدرّ أرباحًا بنسبة لا تقلّ عن 30%! وعلى الرغم من تحويل صرافين مخالفين منذ فترة إلى القضاء، إلا أن هذا الأمر أتى متأخرًا (ولكن أفضل من أن لا يأتي) مع تحقيق الصيارفة لأرقام كبيرة جدًا سيكون من المُستحيل على الحكومة، وبالتحديد وزارة المال، معرفة نسبة الأرباح مع غياب المكننة من عمل الصيارفة.
لذا يأتي دور لجنة الرقابة على المصارف لملاحقة الصرافين الخاضعين لها، ووزارة المال لطلب تصاريح كاملة عن أعمالهم خلال العام الماضي كاملا وهو ما يدخل ضمن نطاق صلاحياتها.
المرحلة المُقبلة هي مرحلة خطرة على الصعيد الإجتماعي، لذا أحد أهمّ عناصر إستعادة ثقة المواطن من قبل الحكومة هو فرض الرقابة الفعّالة والقوية لأن الأمن الغذائي للمواطن مُهدّد بحكم الطمع والجشع الذي يجتاح السوق اللبناني. لذا، تأتي سيطرة الحكومة على الأسعار لتعيد الثقة للمواطن أن هناك سلطة قادرة على محاسبة كل مخالفي القوانين بغض النظر عمن هي الجهة السياسية التي تُغطّيهم.
القدرة الشرائية للمواطن اللبناني إنخفضت بنسبة تزيد على 40% وبما أن الأولوية هي للمواد الغذائية، لذا سيعمد المواطن اللبناني إلى شراء المواد الغذائية على حساب أي شيء أخر وعلى رأسها سدّ القروض المصرفية مما سيزيد حكمًا نسبة التعثّر في القروض وسيجعل المصارف في وضع صعب ماليًا.
أيضا وعلى صعيد المصارف، يتوجّب على الحكومة بالتعاون مع مصرف لبنان توحيد المعايير والإجراءات، بغضّ النظر عن مضمون هذه المعايير. إذ لا يُعقل أنه حتى الساعة، هناك من يستطيع سحب آلاف الدولارات كاش من المصرف في وقت لا يستطيع المودع العادي أن يسحب أكثر من 50 دولاراً أسبوعيًا!
وبما أن المرحلة المُقبلة هي مرحلة حسّاسة على صعيد الوضع المالي والنقدي، لذا يجب على الحكومة أن تعمد إلى وضع خطّة تشمل الرقابة على كل التجار والصيارفة والمصارف ومُقدّمي الخدمات وتنسيق الخطوات بين مُختلف الأطراف. ولا يحقّ للأجهزة الرقابية القول ان هناك نقصاً في العديد بحكم أن هناك فائضاً في بعض القطاعات وستكون فرصة ذهبية للحكومة لإعادة توزيع الموظّفين العاملين في الدولة حيث تدعو الحاجة.
من جهة الشركات، تراجعت أعمال كل القطاعات الإنتاجية في لبنان وخصوصا القطاعين الصناعي والزراعي اللذين يعتمدان بشكل أساسي على إستيراد المواد الأولية. ويتبيّن من المعلومات أن هناك حلحلة في هذا الوضع مع السماح بتحاويل بقيمة 100 مليون دولار أميركي لشراء مواد أوّلية لهذين القطاعين.
في هذا الوقت بدأ العدّ العكسي لدفع أو عدم دفع إستحقاقات أذار من سندات الخزينة بالدولار الأميركية، من دون أن تُعلن الحكومة عن نيتها دفع أو عدم دفع الإستحقاق. وإذا كانت التوجّهات هي نحو عدم الدفع، إلا أن الحكومة تأخّرت كثيرًا في التفاوض مع حاملي السندات وهو ما يفرض إعلان خطّة الحكومة الإنقاذية التي ستكون الأساس في أي عمل تفاوضي. في الواقع، هذا التأخير عزته مصادر إلى وجود خلاف بين القوى السياسية حول بعض عناصر خطة التفاوض مع حاملي السندات والتي هي، أي العناصر، سياسية بامتياز.
والتأخير في إعلان الخطّة والموقف الرسمي من إستحقاق أذار، يجعل الأسواق تعيش في حالة من الغموض لا تصبّ في مصلحة لبنان، لأن ردة فعل الاسواق المالية لن ترحم الدولة اللبنانية في حال التخلّف عن السداد من دون التفاوض مع الدائنين. على هذا الصعيد، يتوجّب الذكر أن الأسواق المالية تعكس نظرة رجال الاعمال للبنان وماليته العامة واقتصاده وقطاعه الخاص وشركاته. وبالتالي يجب أن تنظر الأسواق إلى لبنان بإيجابية بهدف إستقطاب الإستثمارات التي بدونها لن يكون هناك نمو إقتصادي.
إنطلاقًا من كل ما ورد، نرى أن على الحكومة إعلان هذه الخطة وموقفها من الإستحقاق هذا الأسبوع كحدّ أقصى تحت طائلة حصد نتائج سلبية في الأسابيع والأشهر المُقبلة.