Beirut weather 18.58 ° C
تاريخ النشر December 31, 2025
A A A
«القرصان» الجديد وأميركا اللاتينية: ترامب يحلم بـ«فتح الشرايين» مجدّداً
الكاتب: وليد شرارة

 

كتب وليد شرارة في “الأخبار”

هي عودة إلى التوحّش بلا أقنعة ولا قفازات. لا يكلّف دونالد ترامب نفسه عناء البحث عن ذرائع وسرديات لتبرير سياساته الاستعمارية المسعورة حيال فنزويلا خاصة وأميركا اللاتينية عامة، مثلما فعل حتى بعض المستعمرين القدامى، عندما تحدّثوا عن «المهمّة الحضارية» خلال عصر الاكتشافات والإبادات الكبرى، أو كما فعلت غالبية الإدارات الأميركية منذ تحوّل الولايات المتحدة إلى قوة دولية مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأت شنّ الحروب وعمليات الغزو تحت راية الدفاع عن الديمقراطية أو نشرها. لم يتورّع ترامب عن الجهر بنيّته السطو على النفط الفنزويلي، وهو أقرّ في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي»، الصادرة عن البيت الأبيض في الـ5 من الشهر الحالي، بسعيه إلى استعادة سيطرة الولايات المتحدة الحصرية على وسط القارة الأميركية وجنوبها، إحياءً لـ«مبدأ مونرو» (1823) الذي صنّفهما فعلياً «حديقة خلفية» للولايات المتحدة.
وكما إن الرغبة في احتكار ثروات تلك «الحديقة»، وإقصاء القوى الاستعمارية الأوروبية المنافسة لواشنطن في بدايات القرن التاسع عشر منها، عندما لم تكن القدرات الاقتصادية للثانية قد بلغت مستوى متقدّماً من التطور، مثّلا الدافعَين الرئيسَين لقرار الرئيس جيمس مونرو إقرار «مبدئه»، فإن تعطّش ترامب إلى نهب ثروات وسط القارة وجنوبها، والسعي إلى إقصاء المنافس الصيني، هما المحفّزان الرئيسان لإرادته إحياء «عقيدة مونرو». ذلك أن «عظمة» الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية، إنما شُيّدت على جثث شعوب الجنوب وجثامينها، وعلى النهب البدائي لثروات بلدانها. هذا ما شرحه الكاتب والصحافي، إدواردو غاليانو، في كتابه المرجعي «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» الصادر بالإسبانية في الأورغواي عام 1971، والمترجَم إلى غالبية اللغات. وفي حين لم تتوقّف أميركا اللاتينية عن الكفاح لوقف نزيف شرايينها، ونجحت في مهمّتها تلك نسبياً في العقدَين الأخيرين، فإن ترامب يريد فتح هذه الشرايين مجدّداً.
قد لا تلتزم إدارة ترامب، شأنها في ذلك شأن عدد من الإدارات الأميركية التي سبقتها، بالكثير ممّا ورد في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» الأخيرة. فالوقائع المتغيّرة بسرعة متزايدة في العالم المعاصر، فرضت وما تزال تفرض في حالات عدّة على واشنطن تغيير أولوياتها وتوجهاتها المعلنة في هذا النوع من الوثائق. على سبيل المثال، دأبت جميع الإدارات المتعاقبة، منذ عهد إدارة باراك أوباما الثانية، على الإعلان – بدرجات متفاوتة من الوضوح – عن نيّتها «التخفّف من أعباء الشرق الأوسط» للتفرّغ لمواجهة التحدّي الصيني؛ لكن التطورات المتلاحقة في منطقتنا حملتها على الاستمرار في التركيز على الأخيرة باعتبارها أولوية مركزية بين أولوياتها. غير أن ما يمكن قوله اليوم بالنسبة إلى إدارة ترامب، ومواقفها وسياساتها حيال فنزويلا وأميركا اللاتينية، هو أنها تأتي مطابقة إلى حدّ بعيد لما تضمّنته «استراتيجية الأمن القومي» حول هذه البقعة من العالم. يؤكد مُعِدّو الوثيقة أن غايتهم هي أن «تبقى الولايات المتحدة البلد الأقوى والأغنى والأكثر ازدهاراً على المستوى العالمي لعقود قادمة». ويعدّد هؤلاء جملة من الشروط ينبغي تأمينها لبلوغ تلك الغاية، في مقدّمتها فرض سيطرة حصرية لواشنطن على القسم الغربي من الكوكب، أي عملياً على وسط القارة الأميركية وجنوبها. وفي الواقع، فإن بلوغ الهدف المذكور هو الأولوية الأولى للاستراتيجية الجديدة، وليس المواجهة مع الصين، التي لم تتناولها الوثيقة بلغة أيديولوجية حادّة، كما جرت العادة في «وثائق الأمن القومي» السابقة. هكذا، لم يَعُد الصراع مع الصين صراعاً وجودياً بين «الديمقراطية والشمولية»، بل بات تنافساً بين قوى كبرى يحتمل التسويات في بقاع معينة من العالم، ورفعاً لمستوى المجابهة في بقاع أخرى، كأميركا اللاتينية مثلاً.
قرار الرئيس الأميركي الأخرق العمل على إسقاط النظام الوطني في فنزويلا، تمهيداً لاستباحة هذا البلد والسطو على ثرواته، لا يرتبط فقط بتقدير للموقف بلوره وزير الخارجية، ماركو روبيو، وفريقه، أي زمرة الحاقدين على القوى الوطنية في أميركا اللاتينية، ومفاده أن في الإمكان راهناً الإطاحة بهذا النظام نتيجةً لعمق الأزمات التي يواجهها، وإيصال حلفاء واشنطن إلى السلطة. ذلك أن الأمر يتعدّى كونه مجرّد انتهاز لفرصة سانحة، ويستبطن بعداً آخر، هو إصرار الدولة العميقة الأميركية، وليس إدارة ترامب وحدها، على تصفية حسابها مع النظام الفنزويلي وثورته البوليفارية، التي شكّلت فاتحة لموجة تحرّرية جديدة في أميركا الوسطى والجنوبية مع بداية الألفية الثانية. على مَن نَسِي هنا، أن يتذكّر أن وصول الرئيس هوغو تشافيز إلى السلطة في سنة 1999، تلاه انتصار لولا دا سيلفا في البرازيل في 2003، وإيفو موراليس في بوليفيا في 2005، وغيرهم من المرشحين الوطنيين في عدد من بلدان وسط القارة وجنوبها في تلك الحقبة نفسها.
تعتقد زمرة روبيو، والرئيس الأخرق الذي يعمل على هدي إرشاداتها، أن إسقاط النظام الفنزويلي بضربة عسكرية تليها اضطرابات داخلية، سيكون له تأثير «الدومينو» على بقية دول القارة، فيساعد على انتصار المرشحين المؤيدين لواشنطن في الانتخابات الرئاسية فيها، وصيرورتها مجدّداً «حديقة خلفية» للولايات المتحدة.
لم يألُ ترامب جهداً، منذ وصوله إلى السلطة، في دعم انتصار هؤلاء المرشحين في الانتخابات في بلدانهم، وهو استخدم لهذه الغاية رزمة من الضغوط والمحفّزات لدفع الناخبين إلى التصويت لهم. خصّص الباحث كريستوف فانتورا، الخبير في شؤون أميركا اللاتينية، مقالاً لهذا الموضوع في عدد كانون الثاني 2026 من شهرية «لوموند ديبلوماتيك» بعنوان «السيد ترامب، قرصان البحر الكاريبي»، شرح فيه بالتفصيل كيف يتدخّل الرئيس الأخرق في المسارات الانتخابية في بلدان كالأرجنتين وهندوراس أخيراً، حيث يَعِد بضخّ الاستثمارات الأميركية فيها، وبتخفيض الرسوم الجمركية على صادراتها نحو السوق الأميركي والسماح بالمزيد منها، إذا ما صوّت ناخبوها لأصدقائه؛ أو يهدّد باتّخاذ سلسلة إجراءات عقابية تفضي إلى انهيار اقتصاداتها، إذا ما اختار مواطنوها المرشّحين الوطنيين. يشير فانتورا أيضاً إلى تلويح ترامب بفرض عقوبات صارمة، عبر رفع الرسوم الجمركية على صادرات أيّ دولة من دول وسط القارة وجنوبها، تتضامن عملياً مع فنزويلا، أو حتى إغلاق السوق الأميركية أمام صادراتها. وإذ يعتمد ترامب في استراتيجية استعادة السيطرة على أميركا اللاتينية على قوى سياسية يمينية متطرّفة، تتشكّل نواتها ممّن يسمّون «أبناء العائلات» (familias)، أي أحفاد المستوطنين الأوروبيين، الذين تقودهم مجموعة من رجال الأعمال من أصحاب المليارات، فإن هؤلاء تجمعهم مصالح مشتركة مع الرئيس الأميركي وأفراد عائلته وحاشيته، وغيرهم من «المليارديرات» في الولايات المتحدة.
باختصار، الرئيس الأخرق يريد إعادة التاريخ إلى الوراء، وتحويل أميركا الوسطى والجنوبية إلى فضاء مستباح ومنهوب، تتدفّق ثرواته عبر شرايينه المفتوحة لتجعل من أميركا قوة عظيمة مجدّداً!