Beirut weather 16 ° C
تاريخ النشر November 7, 2026
A A A
العماد رودولف هيكل يكسر الصمت!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

لم يكن كلام قائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام أركان القيادة وقادة الوحدات والأفواج العملانية أمس، مجرد توجيهات عسكرية أو استعراض للمسلمات التي تحكم عمل المؤسسة العسكرية، بل بدا بمثابة موقف وطني واضح، يخرج فيه عن الصمت إزاء تصاعد الانتقادات التي تطال الجيش، ويضع حدوداً لمحاولات التشكيك بأدائه والنيل من دوره وصورته، في مرحلة دقيقة يتعرض فيها لبنان لضغوط خارجية وداخلية تتجاوز بكثير حدود الاختلاف في تقييم الأداء العسكري.

 

 

 

اللافت في كلام العماد هيكل أنه لم يكتفِ بالتأكيد أن الجيش لا سياسة له إلا السياسة الوطنية، وأن مهمته الأساسية الحفاظ على الوحدة الداخلية والاستقرار والسلم الأهلي وصون السيادة، بل حدّد مكمن الخطر الأول الذي يواجه لبنان، واضعاً الاحتلال الإسرائيلي واستمرار توسعه في الأراضي اللبنانية في صدارة المشكلة. وهي رسالة هامة، تأتي في وقت تتصاعد فيه أصوات سياسية وإعلامية تطالب الجيش بخطوات تتجاوز قدراته وإمكاناته، وتضعه أمام خيارات خطيرة على المستوى الوطني.

 

 

 

يبدو أن الانتقادات لم تعد تقتصر على ملاحظات تتصل بالأداء أو باختلاف وجهات النظر حول بعض الملفات، بل إن بعضها يتقاطع مع توجهات خارجية تسعى إلى استنزاف الجيش معنوياً وسياسياً، وإبقائه في موقع الدفاع عن نفسه، وصولاً إلى إضعافه وضرب الثقة الشعبية به، أو دفعه إلى خيارات لا تخدم المصلحة اللبنانية، سواء عبر استدراجه إلى مواجهة مع المقاومة، أو تحميله مسؤولية تنفيذ أجندات سياسية لا تراعي التعقيدات اللبنانية وموازين القوى وتداعيات أي مغامرة على السلم الأهلي.

 

 

 

وفي الحالتين، ستكون النتيجة واحدة: إضعاف المؤسسة العسكرية وفتح الباب أمام انقسام داخلي قد يتحول إلى فتنة، بما يمنح إسرائيل فرصة ذهبية لتكريس احتلالها وتوسيع اعتداءاتها، مستفيدة من انشغال اللبنانيين بصراعاتهم الداخلية بدلاً من توحيد جهودهم لمواجهة الخطر الذي يهدد أرضهم وسيادتهم.

 

 

 

جاء كلام هيكل عن الذين ينتقدون الجيش ويقيّمون أداءه من دون معرفة بطبيعة المؤسسة العسكرية وإمكاناتها، ويحاولون تشويه صورتها، بمثابة رد مباشر على حملة تتجاوز حدود النقد المشروع إلى الطعن بمؤسسة تشكل إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الوطني. والأكثر دلالة أن هيكل وضع هذا السلوك في خانة ما يتعارض مع الانتماء الوطني، في تأكيد على أن الجيش ليس ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ولا مؤسسة يحق لأي طرف فرض توجهاته عليها أو تحديد المهمات التي ينبغي أن تنفذها.

 

 

 

وثمة فارق جوهري بين مطالبة الجيش بتنفيذ قرارات السلطة السياسية، وهو ما أكده قائد الجيش صراحة، وبين محاولة دفعه إلى تبني خيارات فريق سياسي بعينه أو الزج به في مواجهة مع مكون لبناني أساسي. فالجيش ينفذ قرارات السلطة السياسية ضمن الدستور والقوانين، لكنه ليس جيش هذا الفريق أو ذاك، ولا يجوز تحويله إلى أداة في يد أي تيار، مهما اشتدت ضغوطه أو ارتفعت مطالبه.

 

 

 

والمفارقة أن بعض القوى السياسية التي تتعامل مع الجيش وكأنه مؤسسة يفترض أن تنفذ توجهاتها وتخوض المواجهات التي تريدها، هي نفسها التي تشكك بأدائه وتطعن بقرارات قيادته عندما لا تتطابق مع حساباتها السياسية.

 

وهذا يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن بناء دولة ومؤسسات في ظل قوى تريد من الجيش أن يكون حازماً عندما يخدم ذلك مصالحها، وأن يتراجع عن مسؤولياته الوطنية عندما تتعارض قراراته مع أجنداتها؟

 

ولعل الأهم في موقف هيكل أنه أعاد تثبيت المعادلة التي ينبغي أن تحكم هذه المرحلة، لجهة أن الجيش شريك في تنفيذ قرارات الدولة، لكنه مسؤول أيضاً عن حماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ولن يسمح بتحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات تهدد الاستقرار.

 

كذلك يندرج دفاع قائد الجيش عن بقاء قوات اليونيفيل، باعتبارها شاهداً على الاعتداءات الإسرائيلية وموثّقاً للخروقات والانتهاكات، في إطار التمسك بالمرجعيات الدولية التي تثبت استمرار الاحتلال وتكشف اعتداءاته، ومنع تغييب حقيقة ما يجري في الجنوب أو تحويل الأنظار عن المسؤولية الإسرائيلية.

 

لقد قال العماد هيكل ما ينبغي أن يسمعه الجميع: الجيش مؤسسة وطنية، مهمتها حماية لبنان ووحدته وسيادته، فيما يبقى الاحتلال الإسرائيلي الخطر الأول الذي يهدد البلاد. وهي رسالة يفترض أن تشكل خطاً أحمر أمام كل محاولات الضغط والتشكيك والاستدراج.

 

 

 

إسرائيل لا تحتاج إلى فرصة أفضل من انشغال اللبنانيين بجيشهم، وتحويل خلافاتهم السياسية إلى صدام داخلي، على حساب الأولويات الوطنية. ومن هنا، فإن حماية الجيش ليست دفاعاً عن قيادة أو ضباط أو قرارات بعينها، بل دفاع عن آخر ركائز الدولة القادرة على منع الانزلاق إلى الفوضى والفتنة.

 

من يريد فعلاً بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، عليه أن يحمي الجيش من الضغوط والاستهداف، لا أن يضعه في مواجهة مع شعبه ومكوناته. فإضعاف المؤسسة العسكرية أو تفجير الصراع الداخلي لن يبني دولة، بل سيمنح الاحتلال الإسرائيلي ما عجز عن تحقيقه بالحرب.