Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 14, 2026
A A A
الطفل الذي انتصر على المجزرة

كتبت حسناء سعادة:

في مثل هذه الأيام، تعود بي الذاكرة إلى ذلك الصباح الأسود من حزيران.
يومها كنت في عمر سليمان فرنجيه تقريباً، كنا أطفالاً لا نفهم السياسة ولا صراعات الكبار، لكننا فهمنا الخوف، فهمنا البكاء، فهمنا أن شيئاً فظيعاً حدث في إهدن.
أتذكر كيف تجمع الناس على الطريق المؤدي إلى المستشفى الوحيد يومها، أو بالأحرى إلى المستوصف الصغير في الطابق السفلي من كنيسة مار يوحنا. كانت السيارات تصل تباعاً، لا تحمل مرضى ولا جرحى فقط، بل تحمل مأساة كاملة.
وجوه مذهولة، صرخات مكتومة، وعيون تبحث عن أحبائها بين الضحايا وكلنا اهل واقارب.
كنا صغاراً، لكن المشهد كان أكبر من أعمارنا جميعاً، لم نستطع استيعاب هول المجزرة، رغم أننا لم نخسر آباءنا وأمهاتنا. فكيف لطفل خسر والده ووالدته وشقيقته في ليلة واحدة أن يستوعب ما جرى؟ كيف لطفل أن يكمل حياته بعدما استيقظ على هذا القدر من الألم؟
كبرنا ونحن نسمع تفاصيل تشيب لها الرؤوس، سمعنا عن الحقد الأعمى حين يفقد الإنسان إنسانيته، سمعنا عن الطفلة جيهان، ابنة السنوات الثلاث، التي لم تكن تحمل سلاحاً، ولم تكن تقاتل أحداً، ولم تكن تعرف معنى الحرب أصلاً، طفلة أُطلقت عليها عشرات الرصاصات فماذا شكلت هذه الطفلة من خطر على المهاجمين؟ هل قاومتهم كما فعل والدها حتى اخر نفس؟
ليست الذكرى هنا لإحياء الكراهية، بل لفهم حجم الجرح، فالمسامحة لا تكون ذات قيمة إلا عندما يكون الألم عظيماً. والمغفرة لا تُقاس بالكلمات، بل بقدرة الإنسان على الانتصار على رغبة الانتقام.
المسامحة من صميم الإيمان المسيحي، لكن كم من إنسان في التاريخ استطاع أن يسامح من قتل عائلته بأكملها؟ كم من شخص تمكن من أن يتجاوز الجراح من دون أن يحمل الحقد في قلبه؟ كم من شخص استطاع أن يحوّل المأساة إلى دعوة للمصالحة بدل أن يجعلها وقوداً لثأر لا ينتهي؟.
رئيس تيار المرده سليمان فرنجيه الذي كان ذلك الطفل اليتيم في ليلة المجزرة، لم يختر أن يعيش أسير الماضي، لم يتخلَّ عن حقه في الذاكرة، لكنه رفض أن يحوّل الذاكرة إلى مشروع انتقام.
حمل الجرح، لكنه لم يسمح للجرح أن يحكم مستقبله.
حفظ الشهداء في قلبه، لكنه فتح الباب أمام المصالحة الوطنية.
بعد ثمانية وأربعين عاماً، لا تزال مجزرة إهدن جرحاً مفتوحاً في وجدان الشمال ولبنان، لكنها أيضاً شهادة على أن قوة الإنسان لا تُقاس بما يستطيع أن ينتقم، بل بما يستطيع أن يغفر.
ولهذا، عندما نستذكر المجزرة اليوم، لا نتذكر فقط بشاعة الجريمة، بل نتذكر أيضاً انتصار الحياة على الموت، انتصار التسامح على الحقد، وانتصار الإنسان على جراحه.
ذلك الطفل الذي رأى العالم ينهار حوله، استطاع أن يقف من جديد.
وربما لهذا السبب بالذات، تبقى قصة سليمان فرنجيه أكثر من قصة طفل نجا من مجزرة؛ إنها قصة إنسان اختار أن يكون أكبر من ألمه.
ليست عظمة الإنسان في أنه لا يتألم، بل في أنه لا يسمح للألم أن يحوله إلى نسخة عن جلاده. بعد ثمانية وأربعين عاماً على مجزرة إهدن، يبقى الدرس الأكبر أن الدم لا يبني وطناً، وأن الحقد لا يصنع مستقبلاً، وأن الذين رحلوا يستحقون أن نحفظ ذكراهم لبس بالكراهية بل بالوفاء لدمائهم وللقضية التي استشهدوا من اجلها.