Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر June 8, 2026
A A A
الضاحية تهزّ أمن المنطقة.. إيران ترسم معادلات جديدة ونتنياهو أمام خيارين
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

هزّت الضاحية الجنوبية لبيروت أمن المنطقة بعد التطور اللافت الذي تمثل بالرد الإيراني السريع على استهدافها من قبل العدو الإسرائيلي، في خطوة حملت رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الحدث المباشر إلى رسم معادلات جديدة قد تفرض نفسها في الأيام المقبلة وتنعكس على المفاوضات الجارية.

جاء الرد في توقيت حساس كانت فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران تسير، وفق تسريبات متعددة، في أجواء إيجابية وتحقق تقدماً ملحوظاً نتيجة تنازلات متبادلة بين الطرفين.

من هذا المنطلق، يرى مراقبون أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو سعى من خلال استهداف الضاحية الجنوبية إلى خلط الأوراق وعرقلة المسار التفاوضي القائم بين الولايات المتحدة وإيران، انطلاقاً من اعتقاده بأن أي تقدم في التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية يحدّ من هامش المناورة الإسرائيلي ويضع قيوداً إضافية على خياراته العسكرية والسياسية.

إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الحسابات لم تسر وفق ما كانت تأمله إسرائيل. فالرد الإيراني السريع شكّل مفاجأة للعديد من الأطراف، وأكد أن استهداف حلفاء طهران في المنطقة سيقابل برد مباشر وسريع.

كما عكس الرد الإيراني مستوى من الجرأة السياسية والعسكرية في مرحلة كانت التقديرات الأميركية والإسرائيلية تشير إلى أن طهران تتجنب أي خطوات قد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة.

في المقابل، بدا الموقف الأميركي حاسماً في احتواء التصعيد. فقد أكدت تصريحات الرئيس دونالد ترامب رغبته الواضحة في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، مع تشديده على ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار وإعطاء المسار التفاوضي الفرصة الكاملة للوصول إلى نتائج ملموسة.

كما أن الإشارات الأميركية الرافضة لأي رد إسرائيلي فوري عكست خشية واشنطن من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى انهيار المفاوضات الجارية مع إيران.

هذا الواقع وضع نتنياهو أمام معضلة سياسية معقدة، فهو إن تجاهل الصواريخ التي اطلقتها إيران ولم يرد عليها، فإن ذلك سيعرضه لانتقادات داخلية إسرائيلية تتهمه بالضعف والخضوع للإرادة الأميركية، ومن جهة أخرى فإن الإقدام على أي رد عسكري واسع قد يضعه في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية ومع ترامب شخصيا والذي لا يبدو مستعدًا حالياً لمنحه غطاءً لمغامرة جديدة في المنطقة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية في المسار السياسي لنتنياهو. فالرجل الذي اعتمد طوال سنوات على الدعم الأميركي لتوسيع خياراته العسكرية يجد نفسه اليوم مقيداً بإرادة واشنطن نفسها.

بل إن تصريحات ترامب التي شددت على أن القرار النهائي يعود للإدارة الأميركية وليس للحكومة الإسرائيلية تعكس حجم التباين بين أولويات الطرفين في هذه المرحلة.

أما إيران، فقد سعت إلى تقديم ردها باعتباره رداً مشروعاً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت وتنفيذا لتهديدها الذي سبق وأطلقته، مؤكدة أن أي اعتداء جديد سيقابل بمزيد من التصعيد.

وبهذا المعنى، لا يقتصر الهدف الإيراني على الرد العسكري فحسب، بل يتعداه إلى تعزيز موقع حلفائها في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.

على المستوى اللبناني، حملت التطورات أبعاداً إضافية. فالسلطة اللبنانية كانت قد راهنت على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، وترجمت ذلك في اتفاق واشنطن الذي شكل اعتداء إسرائيل على الضاحية الجنوبية المسمار الأخير في نعشه، إضافة إلى إحراج السلطة التي تكشف التطورات يوما بعد يوم ان الاتفاق الذي أبرمته برعاية أميركية لا يصب بأي شكل من الأشكال في مصلحة لبنان، بل يقدم جوائز ترضية لإسرائيل ويمنحها ما لم تستطع تحقيقه في الحرب.

يمكن القول، إن الرد الإيراني أعاد الربط بين الساحتين اللبنانية والإقليمية، ما وضع السلطة اللبنانية أمام واقع أكثر تعقيداً وصولا إلى ارتفاع الأصوات بعدم صوابية رهاناتها السياسية.

تبدو إسرائيل اليوم أمام تحديات متزامنة على أكثر من مستوى. فهي تخوض مساراً عسكرياً لم يحقق الأهداف المعلنة بالكامل، وتواجه انقسامات داخلية متصاعدة، كما أن محاولاتها ممارسة الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة والبحث عن مسببات لاشعال الفتنة بين اللبنانيين لم تؤدِ إلى النتائج المرجوة.

وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، تبقى المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة. فنجاحها قد يؤدي إلى احتواء التصعيد وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، بينما قد يؤدي فشلها إلى فتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة وعدم الاستقرار في المنطقة، وهذا ما ينتظره نتنياهو.