Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر January 30, 2026
A A A
الشرق الأوسط على مُفترق الحدود الساخنة
الكاتب: دوللي بشعلاني

كتبت دوللي بشعلاني في “الديار”

في خضم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، تتصاعد التساؤلات حول احتمالات انتشار قوات دولية جديدة في مناطق حدودية حسّاسة، لا سيما عند الحدود السورية مع الجولان المحتلّ، وعلى الحدود اللبنانية مع “إسرائيل” (فلسطين المحتلّة)، في ظل تغيّر وتراجع دور قوة الأمم المتحدة في لبنان “اليونيفيل”، مع بدء العد العكسي لإنهاء مهامها كليّاً في العام 2027، وتقليص عديدها، من أكثر من 10 آلاف جندي إلى 8328 جندي (حتى الساعة)، مع مغادرة أكثر من 1800 عنصر، وسفينتين حربيتين من أصل خمس.

وتنشغل الحكومة اللبنانية التي تعمل على خطة “حصر السلاح” بيد الدولة في الجنوب، إلى جانب العديد من الدول المعنية على فكرة تأمين “القوّات البديلة” عن “اليونيفيل”، لتؤدي دور قناة تواصل غير مباشرة بين لبنان و”إسرائيل”، لا سيما في حال توقّف أو تعثّر عمل لجنة “الميكانيزم” أو تراجع دورها.

واليوم تخضع الحدود بين سوريا وهضبة الجولان المحتلّة منذ العام 1974 ، لمراقبة قوة الأمم المتحدة الخاصة بفض الاشتباك (UNDOF) ، التي أنشأها مجلس الأمن لمراقبة وقف إطلاق النار بعد حرب تشرين، وتطبيق اتفاق فضّ الاشتباك بين الدولتين. ومهمتها هي الإشراف على خط التماس وفصل القوات السورية و”الإسرائيلية”، ومراقبة التقيّد بالاتفاقات دون تدخّل عسكري فعلي.

لكن تقارير حديثة، وفق ما تنقل مصادر سياسية مطلعة، تشير إلى وجود نقاط مراقبة روسية، على طول شريط فصل القوات عند القنيطرة جنوب سوريا، حيث تمّ افتتاح ثماني نقاط بهدف الحفاظ على “الأمن والسلام”. هذه النقاط لا تشكل قوات قتالية كبيرة، لكنها تعكس دعم موسكو لإعادة ضبط خطوط التماس، خصوصًا بعد الأحداث السياسية الأخيرة في سوريا، مع خطط محتملة لعودة دوريات روسية لتأمين الحدود، وطمأنة “تلّ أبيب” بخصوص الجماعات المسلّحة المدعومة من إيران.

وأكّدت المصادر السياسية أنّه حتى الآن لم يتمّ انتشار وحدات قتالية روسية كبيرة على طول الحدود مع “اسرائيل”، ولكن يبدو أن موسكو تعمل على تعزيز وجودها الميداني، بنقاط مراقبة في المناطق العازلة للدوران، كضامن أمني مع قوّات “الأندوف” المتراجعة. وحتى الآن، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمتها في الجولان لفترات قصيرة (عادة ستة أشهر)، بسبب استمرار التوتر. ما يُبيّن أنّ الجانب الدولي ما زال يرى ضرورة لوجود مراقبين دوليين في المنطقة، لكن ذلك لا يعني انسحاب المهمة بالكامل ولا تحوّلها إلى قيادة روسية.

أمّا بالنسبة لقوّات “اليونيفيل” في لبنان، على ما ذكرت المصادر، فقد بدأت تقليصاً في أعداد قوّاتها، بنسبة وصلت إلى نحو 25% من عديدها خلال العام الفائت (2025) ، بموجب قرارات الأمم المتحدة. ويهدف هذا التراجع إلى نقل مسؤوليات الأمن تدريجيا إلى الجيش اللبناني. والمعلوم أنّ “اليونيفيل” تقوم بمراقبة خط التماس، المعروف بالخط الأزرق بين لبنان وفلسطين المحتلة. ومنذ صدور القرار 1701 بعد حرب العام 2006، كانت هذه القوة ضامنة نسبيّا للاستقرار في المنطقة.

لكنّ التراجع في عديد قوّاتها اليوم لا يشير إلى انسحاب فوري كامل، بل إلى تحوّل تدريجي للعبء الأمني نحو الجيش اللبناني، خصوصا أنّ الحكومة تسعى إلى تعزيز انتشار وحداتها في الجنوب، وقد أعلنت نشر قوّاتها بحدود 10,000 عسكري لبناني لتأمين الحدود.

وبالنسبة إلى انتشار قوّات فرنسية وبريطانية تحت قيادة منفصلة بعد “اليونيفيل” في الجنوب اللبناني، تقول المصادر المطلّع إنّ قوّات أوروبية عديدة هي جزء من القوّة الدولية، ستبقى في جنوب لبنان، لا سيما الكتيبة الفرنسية التي تضمّ اليوم 750 عنصرا، والإيطالية 1103، والإسبانية 659، كونها ترأست “اليونيفيل” مداورة، وتشعر بأنّها معنية بأمن واستقرار لبنان الذي هو البوّابة نحو أوروبا. وهذه الأخيرة قد تزيد أو تقلّل من عديد قوّاتها، بحسب الحاجة بعد انتهاء مهام “اليونيفيل” بشكل كامل.

وفي ما يتعلّق بانتشار قوّات بريطانية إلى جانب الفرنسية، رأت المصادر أنّ الأمر سيكون جديدا، كون بريطانيا ليست من ضمن الدول الـ 48 دولة المشاركة في “اليونيفيل”، ويمكن أن يحصل ذلك إذا ما حصلت تسوية أميركية – أوروبية للحفاظ على أمن المنطقة.

والسؤال المطروح هنا: هل سيكون هناك مراقبون أميركيون في “إسرائيل”، مقابل وجود القوّات الأوروبية عند الحدود الجنوبية اللبنانية؟ تجيب المصادر أنّ العمل العسكري المباشر ليس أولوية بالنسبة لواشنطن في هذه المرحلة على الحدود اللبنانية أو السورية، بل التركيز هو على حلول ديبلوماسية، دعم الجيش اللبناني، وتقوية مؤسسات الدولة المحلية لضمان الأمن.

هذه السياسة تتمشى مع التوجّه الأميركي، الذي يرى أنّ استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه عبر نشر قوات قتالية طويلة الأمد، بل عبر شراكات وإصلاحات محلية وإقليمية.

كما أنّ واشنطن تخشى أيضا أن يؤدي وجود قوة أميركية كبيرة، مباشرة على الحدود اللبنانية من جهة “إسرائيل”، الى تصعيد غير مرغوب فيه مع بعض الجماعات، أو ظروف أكثر تعقيدا على المستوى الإقليمي، وهو ما يتطلب حوارا ومفاوضات متعددة الأطراف أكثر من مجرد نشر قوّات.

من هنا، تؤيّد واشنطن، وفق المصادر السياسية، إنهاء مهمة “اليونيفيل” تدريجياً بحلول 2027، لكنها لا تخطط حتى الآن لنشر قوات أميركية مستقلة على الحدود اللبنانية مع “إسرائيل”، بل تدعم إطاراً أمنياً متعدد الجنسيات وتقوية دور الشركاء المحليين.

ومع ذلك، تشارك الولايات المتحدة بشكل ديبلوماسي واستخباراتي، عبر قنوات مختلفة مع حلفائها، وضمن آليات مراقبة غير تابعة مباشرة لـ”اليونيفيل” أو الأندوف، مع إبقاء وجودها العسكري محدوداً في سوريا.

وتجد المصادر المطلعة أنّ السيناريو الأكثر ترجيحاً في الوقت الحالي، هو تعزيز روسيا وجودها بنقاط مراقبة ثابتة في الجنوب السوري قرب الجولان، لكنها ليست قوة قتالية كبيرة، فيما تظل الأندوف مهمة الأمم المتحدة الأساسية في المنطقة العازلة.

أمّا في لبنان، فتستمر “اليونيفيل” بالتخفيض التدريجي لعدد قواتها، ويعوّض الجيش اللبناني و”آليات أمنية أخرى” جزءاً من الدور، مع بقاء التحرّكات ضمن إطار دولي متعدّد الأطراف، دون أي انتشار مستقل للقوات الفرنسية – البريطانية أو مراقبين أميركيين على الحدود.

 

وتخلص المصادر إلى القول، إنّ ما يجري هو إعادة هيكلة وجود الأمم المتحدة، وتحوّلات في أدوار القادة المحليين والدوليين، وليس انقلاباً مفاجئاً في القوى العسكرية الكبرى، ما يضع المنطقة على مفترق حسّاس بين الديبلوماسية والاستقرار العسكري، مع بقاء الحلول متعددة الأطراف والرقابة الدولية ركيزة رئيسية للأمن.