Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 11, 2026
A A A
الشرق الأوسط… تبدّل اللعبة وبقاء اللاعبين
الكاتب: روني ألفا - البناء

ليست المنطقة أمام حربٍ تقليدية بالمعنى الذي اعتدناه، بل أمام تحوّلٍ في بنية القرار نفسه. الضجيج السياسي والعسكري المتصاعد يخفي خلفه مرحلة إعادة تعريف للأدوار، حيث لم تعد القوة حكراً على طرف واحد، ولم يعد التهديد كافياً لفرض الإرادة.

الشرق الأوسط اليوم مساحة تتقاطع فيها استراتيجيات الولايات المتحدة وإيران و”إسرائيل” مع حسابات السعودية وتركيا ومصر وقطر والإمارات، وتحت أنظار قوى دولية كروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، فيما تراقب باكستان والهند تطورات توازنات الطاقة والأمن النووي، وتعيد دول مثل العراق وسورية ولبنان صياغة مواقعها ضمن شبكة نفوذ متغيّرة.

الولايات المتحدة لا تزال اللاعب الأكثر حضوراً عسكرياً وسياسياً، لكنها لم تعد تتحرك من موقع السيطرة المنفردة. إدارة التوتر بالنسبة لواشنطن باتت معادلة دقيقة تجمع بين الردع ومنع الانفجار. تعتمد على الأساطيل والقواعد العسكرية في الخليج وشرق المتوسط، وعلى شبكة تحالفات أمنية مع “إسرائيل” ودول الخليج، لكنها في الوقت نفسه تحسب كلفة أيّ ضربة على الأسواق العالمية وعلى علاقاتها مع أوروبا وآسيا. خطابها السياسي يعكس هذه الازدواجية: لغة حازمة في العلن، وحذر واضح في القرار العملي. إنها قوة لا تزال قادرة على التأثير، لكنها تدرك أنّ أيّ مواجهة مفتوحة قد تتحوّل إلى أزمة دولية لا يمكن احتواؤها بسهولة.

إيران، في المقابل، تتحرك وفق استراتيجية الصبر الاستراتيجي. تعتمد على شبكة من الحلفاء الإقليميين في العراق وسورية ولبنان واليمن، وعلى تطوير قدراتها الصاروخية والتكنولوجية، وعلى استخدام الدبلوماسية كأداة لإدارة الوقت. طهران تدرك أنّ ميزان القوة التقليدي ليس لصالحها في مواجهة مباشرة مع واشنطن، لكنها تراهن على القدرة على الاستنزاف وخلق توازن ردع غير متماثل. سياستها تقوم على الجمع بين الرسائل العسكرية المحدودة والحضور السياسي العميق في الإقليم، ما يجعلها لاعباً يصعب عزله أو احتواؤه ضمن معادلة واحدة.

“إسرائيل” تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. بالنسبة لها، الملف الإيراني ليس مجرد أزمة سياسية بل تهديد طويل الأمد. تعتمد تل أبيب على التفوق التكنولوجي والاستخباراتي وعلى علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، لكنها تواجه تحدياً يتمثل في اختلاف أولويات حلفائها. فهي تميل إلى خطوات أكثر حسماً، بينما تميل الولايات المتحدة ودول الخليج إلى إدارة التوتر بدلاً من تفجيره. لذلك نرى “إسرائيل” تكثف حضورها الإعلامي والسياسي، وتستخدم الضغوط الدبلوماسية والعسكرية المحدودة كوسيلة للحفاظ على مستوى عالٍ من الردع.

السعودية والإمارات تتحركان ضمن مقاربة براغماتية. فهما تدركان أنّ الاستقرار الاقتصادي وسوق الطاقة العالمية أهم من المغامرات العسكرية. الرياض تعمل على تنويع تحالفاتها، فتعزز علاقاتها مع واشنطن لكنها تفتح قنوات مع الصين وروسيا، وتسعى إلى خفض التوتر مع إيران للحفاظ على مشاريعها الاقتصادية الكبرى. أبوظبي تتبع نهجاً مشابهاً، حيث توظف قوتها المالية والدبلوماسية لبناء شبكة علاقات مرنة، ما يمنحها دور الوسيط أحياناً ودور الموازن أحياناً أخرى.

تركيا تمثل نموذجاً لدولة تحاول استثمار موقعها الجغرافي والسياسي. أنقرة تتحرك بين عضويتها في حلف الناتو وعلاقاتها المتشعّبة مع روسيا وإيران، وتسعى إلى تثبيت حضورها كقوة إقليمية مستقلة. تستخدم أدوات متعددة: النفوذ العسكري في شمال سورية والعراق، العلاقات الاقتصادية مع الخليج، والدبلوماسية النشطة مع موسكو وكييف. استراتيجيتها تقوم على تحقيق توازن يمنحها مساحة مناورة واسعة في نظام دولي متغيّر.

مصر تميل إلى دور الدولة الحافظة للاستقرار، مستندة إلى ثقلها الجغرافي والعسكري. القاهرة تفضل الحلول السياسية وتعارض التصعيد العسكري الواسع، لأنها تدرك أنّ أيّ انفجار إقليمي سيؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر وقناة السويس والاقتصاد الوطني. لذلك تلعب دوراً هادئاً في الوساطات، وتنسق مع السعودية والإمارات للحفاظ على توازن إقليمي يمنع الانزلاق إلى الفوضى.

قطر تواصل لعب دور الوسيط النشط، مستفيدة من علاقاتها المفتوحة مع أطراف متعارضة. تستثمر في الدبلوماسية الهادئة والوساطات غير المعلنة، ما يمنحها نفوذاً يتجاوز حجمها الجغرافي. في المقابل، تراقب باكستان والهند المشهد من زاوية أمن الطاقة والتوازن النووي، حيث تدرك إسلام آباد أنّ أيّ تصعيد قد يؤثر على علاقاتها مع الخليج وإيران، بينما تتابع نيودلهي استقرار طرق التجارة البحرية ومصادر الطاقة التي تعتمد عليها اقتصادياً.

روسيا والصين تمثلان بعداً دولياً متزايد الأهمية. موسكو، رغم انشغالها في ساحات أخرى، تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في سورية وعلى دورها كوسيط قادر على التواصل مع مختلف الأطراف. تستخدم الدبلوماسية العسكرية والعلاقات الأمنية للحفاظ على موطئ قدم في المنطقة. أما بكين فتتقدم عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، مستفيدة من مبادرة “الحزام والطريق” ومن علاقاتها التجارية الواسعة مع دول الخليج وإيران. الصين لا تسعى إلى مواجهة عسكرية، لكنها تبني نفوذاً طويل الأمد يجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي توازن مستقبلي.

الاتحاد الأوروبي، رغم تراجع حضوره العسكري، يحاول الحفاظ على دوره الدبلوماسي عبر دعم المفاوضات النووية والتنسيق مع واشنطن. أوروبا ترى في الاستقرار الإقليمي ضرورة لأمنها الاقتصادي وأمن الطاقة، لذلك تميل إلى الحلول التفاوضية وتجنب التصعيد.

في قلب هذا المشهد، تقف دول مثل العراق وسورية ولبنان كمساحات تتقاطع فيها نفوذ القوى المختلفة. العراق يحاول تحقيق توازن بين علاقاته مع واشنطن وطهران، وسورية تبقى ساحة تنافس دولي وإقليمي، بينما يعيش لبنان تأثيرات مباشرة لكل تحول في ميزان القوى الإقليمي.

هذه الدول ليست مجرد ساحات صراع، بل عوامل مؤثرة في معادلة الاستقرار أو الانفجار. التحوّل الأعمق في المنطقة يكمن في انتقالها من زمن القرارات الأحادية إلى زمن التوازنات المتعددة. لم يعد ممكناً لأيّ دولة، مهما بلغت قوتها، أن تتحرك من دون حساب ردود فعل الآخرين. الأسواق العالمية، الطاقة، التكنولوجيا، والتحالفات المرنة كلها عناصر تجعل الحرب خياراً معقداً ومكلفاً، فيما يصبح الصراع منخفض الحدة هو القاعدة الجديدة.

الهدوء الذي يخيّم على بعض الجبهات لا يعني انتهاء التوتر، بل يشير إلى مرحلة إعادة ترتيب طويلة. الأطراف تعيد حساباتها، تبني تحالفات جديدة، وتختبر حدود النفوذ. هذه العملية قد تبدو بطيئة، لكنها في الواقع تعيد رسم خريطة المنطقة. وفي زمن كهذا، تصبح الإشارات الصغيرة لقاء دبلوماسياً غير معلن، مناورة عسكرية محدودة، أو تغييراً في خطاب سياسي أكثر دلالة من الأحداث الكبرى.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة تتراجع فيها الهيمنة المنفردة لصالح شبكة معقدة من التوازنات. الولايات المتحدة، إيران، إسرائيل، السعودية، تركيا، مصر، الإمارات، قطر، روسيا، الصين، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب دول الإقليم الأصغر، يشكلون لوحة متعددة الألوان لا يمكن قراءتها بخط واحد. ومن يراقب المشهد بعمق يدرك أنّ الصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله.

الخرائط الجديدة تُرسَم بهدوء، وقد لا يلاحظها الكثيرون الآن، لكن آثارها ستظهر عندما يجد الجميع أنفسهم أمام نظام إقليمي مختلف جذرياً عمّا عرفوه في العقود الماضية.