Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر February 13, 2026
A A A
السّنّة والإنتخابات: هل يستمر التشرذم؟..
الكاتب: عبد الكافي الصمد

كتب عبد الكافي الصمد في “سفير الشمال”

بعدما حدّد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجّار 10 أيّار المقبل موعداً للإنتخابات النيابية المقبلة، وفتح باب الترشّح لها في 10 شباط الجاري، لمدّة شهر كامل، بدأت مختلف التيّارات والأحزاب والقوى السياسية الرئيسية غربلة أسماء مرشحيها لهذه الإنتخابات، وسط تضارب في الآراء بين من يُشكّك بإجراء الإستحقاق الإنتخابي في موعده مع احتمال تأجيله في آخر لحظة، وآخر يرى أنّ “تهريب” إجراء الإنتخابات يبقى احتمالاً قائماً.

 

على نحو تصاعدي أظهرت الأيّام القليلة الماضية حراكاً لافتاً داخل التيّارات والقوى السّياسية الرئيسية، الإسلامية والمسيحية على حدّ سواء، حيث أظهرت “مؤشّرات” هذا الحَراك، وهي في بداياتها، إعلان عزوف نواب عن ترشّحهم للإنتخابات النيابيّة المقبلة لأسباب شخصية، أو نتيجة قرارات لقيادات هذه الأحزاب والتيّارات والقوى باستبعاد أسماء مقابل إدخال أسماء بديلة وضخّ دم جديد فيها، كما هو الحال في صفوف التيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانية وحزب الكتائب وحزب الله وحركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي.

 

 

بمعنى أوضح فإنّ هذا الحَرَاك الإنتخابي تشهده السّاحات المسيحية والشّيعية والدّرزية، وينتظر أن تظهر تداعياته قريباً، بينما يغيب كليّاً عن السّاحة السنّية لأسباب كثيرة ولم تعد خافية، على رأسها غياب مرجعية سياسية عند السنّة وتشرذمهم منذ إعلان الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني عام 2022 عزوفه وتيّار المستقبل الذي يترأسه عن العمل السّياسي وعن خوض الإنتخابات النيابيّة التي جرت صيف ذلك العام، والتي كان أبرز نتائجها الفراغ الكبير في أوساط الطّائفة السنّية بعد عزوف الحريري، واستمراره لأربع سنوات تالية، من غير أن يستطيع أحد أن يملأ ذلك الفراغ ولو جزئياً.

 

طيلة السّنوات الأربع السّابقة كانت الذكرى الـ21 لاغتيال الرئيس رفيق الحريري التي تحلّ بعد أيّام، في 14 شباط الجاري، تتحوّل إلى مناسبة يأمل فيها مناصرو الحريري الذين يتجمّعون في ساحة الشّهداء بالمناسبة، ويستمعون إلى خطاب يلقيه فيها، أن يعلن زعيم التيّار الأزرق عودته عن عزوفه، لكنّ هذه الآمال كانت تتبدّد كلّ سنة، ذلك أنّ الحريري كان طيلة السّنوات الأربع الماضية يكتفي بعد حضوره إلى لبنان إلقاء خطابه ثم يغادر إلى منفاه في الإمارات، ثم يلتزم الصّمت بانتظار عودته في العام التالي.

 

 

لكنّ المشهد هذا العام يختلف عن ذاك الذي ساد في السّنوات السّابقة، لأنّ ذكرى اغتيال الحريري تأتي هذا العام قبل ثلاثة أشهر من موعد الإستحقاق الإنتخابي، وهي ذكرى يراها مؤيّدو الحريري وتيّاره فرصة مناسبة جدّاً لإعلانه عودته عن عزوفه وخوضه الإنتخابات النيابيّة، لأن استمرار عزوفه سيشكل ضربة قويّة للتيّار ولقاعدة الحريري السّياسية والشّعبية، وتآكلهما وتلاشيهما تدريجياً.

 

هذا الإنتظار الثّقيل الذي يُرخي بظلاله وتداعياته على السّاحة السنّية، يُرجّح كثيرون إذا ما استمر الحريري في عزوفه أن يؤدّي إلى مزيد من التشرذم في أوساط الطّائفة “الأمّة”، وانقسامها على نفسها، وضعف حضورها السّياسي في المعادلة الوطنية التي اختلت في السّنوات الأربع الماضية، وهو اختلال يتحمّل الحريري وتيّاره جزءاً هامّاً منه لرفضه المستمر الإعتراف بـ”تعدّديّة” سياسية داخل الطّائفة السنّية وإصراره على أحادية زعامته لها؛ وتتحمّل السعودية جزءاً آخر من هذا الإختلال لرفضها من جهة عودة الحريري عن عزوفه ومن جهة أخرى عدم إيجاد بديل عنه؛ كما تتحمّل القوى والشّخصيات السنّية إستمرار هذا الإختلال، لأنّها عجزت طيلة السّنين الأربع الفائتة إيجاد بديل للحريري، ولو نسبياً، ما عكس عقماً وأزمة وجودية كبيرة فيها لم تجد لها مخرجاً منها.