Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر June 23, 2026
A A A
السلطة سجينة الأيديولوجيا والسيكولوجيا
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

ليست المشكلة في لبنان أن هناك من يختلف مع إيران. فالاختلاف السياسي بين الدول والقوى والأحزاب أمر طبيعي ومشروع، بل قد يكون ضرورياً أحياناً. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى عداء يتجاوز حدود المصلحة. والغريب العجيب أن كثيراً من اللبنانيين يستخدمون هذه المقولة لتبرير انفتاحهم على “إسرائيل” التي تحتل الأرض وتقتل يومياً من اللبنانيين بلا رحمة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يبدو الموقف اللبناني الرسمي من الدور الإيراني أكثر تشدداً أحياناً من مواقف دول خاضت مواجهة مباشرة مع إيران أو دفعت أثماناً أكبر بكثير مما دفعه لبنان؟

دول الخليج تعرّضت خلال الحرب لضغوط هائلة. مصالحها النفطية كانت مهددة، وأسواقها تأثرت، وممراتها البحرية تعرضت للاهتزاز، وتساقطت على مدنها ومنشآتها مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيرة. ومع ذلك، عندما انتهت الحرب إلى تفاهم سياسي، تعاملت هذه الدول مع النتائج بمنطق الدولة لا بمنطق الثأر. فهي لم تسأل مَن تحب ومَن تكره، بل سألت ما الذي يحقق الاستقرار وما الذي يحمي المصالح وما الذي يمنع تكرار الحرب. لذلك لم تجد حرجاً في التعامل مع إيران كشريك في ترتيبات ما بعد الحرب، رغم كل ما سبقها من صدامات.

الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة. فواشنطن ليست حليفاً لإيران، بل هي الطرف الذي خاض معها أطول مواجهة سياسية وأمنية في المنطقة وتوجها بحربين تحت شعار إسقاط النظام أو دفعه إلى الاستسلام. لكنها عندما وصلت إلى لحظة التسوية تعاملت مع الوقائع كما هي لا كما تتمنى أن تكون؛ لأن السياسة الأميركية قامت دائماً على قاعدة أن الحروب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، فإذا تعذر تحقيق هذه الأهداف بالقوة يصبح التفاوض جزءاً من إدارة المصالح. لذلك قبلت واشنطن بما فرضته الوقائع الميدانية وأعادت صياغة أولوياتها على هذا الأساس، وهي تعلم أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان.

في المقابل يبدو المشهد اللبناني مختلفاً. فبعض أركان السلطة يتعاملون مع أي دور إيراني وكأنه مساس بالسيادة، حتى عندما يكون هذا الدور محققاً لما تتمناه المصلحة اللبنانية وتصبو إليه، وجزءاً من تفاهم دولي وإقليمي واسع تشارك فيه الولايات المتحدة نفسها. وهنا تظهر المفارقة. فإذا كان معيار السيادة في اللحظة الراهنة هو نسخة وقف النار التي ضغطت لأجلها إيران وفرضتها، وليس النسخة التي وافقت عليها السلطة في واشنطن وسوّقتها بصفتها الفرصة الأخيرة، فليس مطلوباً الاعتراف بكل ذلك بل بالحد الأدنى الانفتاح الإيجابي على ما تحقق بأيدي إيران، وإذا كان معيار السيادة تجاه تدخلات الآخرين في شؤون تخصّ لبنان هو رفض أن يتحدّث الآخرون باسم لبنان، فإن إيران في حالة مذكرة التفاهم لم تزعم التحدّث باسم لبنان بل تبنت طلب لبنان بفرض وقف النار على “إسرائيل” عن طريق ما دعت إليه السلطة وهو الضغط على أميركا كي تضغط على “إسرائيل” وتلزمها، بينما قالت التجربة اللبنانية مع الوساطة الأميركية أنها كانت مليئة بمحطات تحدّثت فيها واشنطن باسم لبنان أو قدمت تصورات لا تنسجم مع مصالحه المعلنة. وهذا ما جرى في منح الاحتلال حرية الحركة في الفقرة الثالثة من بيان قالت الخارجية الأميركية إن لبنان وافق عليه وقد استبدلت إيران حرية الحركة بميكانيزم المتابعة والشكوى ونجحت. والموقف الأميركي هنا أقرب إلى الوصاية، وكذلك في وقف إطلاق النار من طرف واحد هو لبنان وبقاء الحرب من طرف واحد هو “إسرائيل”، ومع ذلك لم نشهد اعتراضاً لبنانياً رسمياً واحداً على واشنطن، وعندما يجب توجيه الشكر لإيران، نسمع جملة من نوع “نرحب بكل جهد” ومن دون ذكر إيران، لكننا لن نسمح لأحد بالتفاوض عن لبنان، في غمز من قناة إيران.

هذا التناقض يكشف أن القضية ليست سيادة إطلاقاً، بل تعبير عن تكوين سياسي ونفسي نشأ خلال عقود طويلة من الانقسام الداخلي. إيران لم تعد بالنسبة إلى بعض القوى مجرد دولة إقليمية كبرى ذات مصالح وحسابات سياسية، بل تحولت إلى رمز سياسي وهوياتي لبناني داخلي. وعندما تتحوّل الدول إلى رموز تتراجع قدرة السياسة على العمل بعقلانيّة، يصبح الاعتراف بأي دور إيجابي، لذلك الرمز أشبه بالتنازل المعنوي أو الاعتراف بالهزيمة، حتى لو كانت الوقائع تشير إلى أن هذا الدور يحقق مكاسب ملموسة للبنان. هذا إضافة إلى أن الإقرار بأن الضغط الإيراني كان مؤثراً في فرض وقف إطلاق النار أو في تقييد حرية الحركة الإسرائيلية بما يحقق المصلحة اللبنانية أكثر مما فعله الآخرون وخصوصاً واشنطن، يعني ضمناً الاعتراف بأن المقاربات التي اعتمدتها السلطة وسوقت لها بلغة التحدي، وراهنت حصراً على الوساطة الأميركية ثبت فشلها. وهذا الاعتراف مكلف سياسياً لمن بنى خطابه لسنوات على فكرة أن الحلّ يمرّ حصراً عبر واشنطن وأن أي دور آخر يشكل عبئاً على لبنان.

لهذا تبدو السلبية الحالية أقرب إلى حالة إنكار سياسي منها إلى موقف قائم على حساب المصلحة؛ لأن السلطة لا تعترض لأن مصالح لبنان تضررت، ولا لأن حلفاءها الخليجيين أو الأميركيين يطلبون منها الاعتراض، بحيث لا يتطابق مع خطابها العدائي إلا “إسرائيل”، دون أن يشعرها هذا بالحرج، وهي تفعل ذلك لأن الاعتراف بالوقائع الجديدة يفرض عليها مراجعة سردية سياسية كاملة قامت عليها رهاناتها السابقة. ولذلك يصبح تجاهل الدور الإيراني أو الامتناع عن ذكره محاولة للمحافظة على التوازن الداخلي للخطاب السياسي أكثر مما هو تعبير عن قراءة واقعية لما يجري.

يبدو لبنان الذي يتباهى بالذكاء أنه أغبى الكيانات السياسية في المنطقة، وكأنه الطرف الوحيد الذي يجد صعوبة في التعامل مع الوقائع التي قبل بها الجميع؛ لأن الدول عادة تقيس الأمور بنتائجها: هل تحقق وقف النار؟ هل تقلصت مخاطر الحرب؟ هل تحسن الموقع التفاوضي للبنان؟ أما عندما يصبح معيار الحكم هو هوية الطرف الذي ساهم في تحقيق هذه النتائج، فإن السياسة تخرج من نطاق إدارة المصالح إلى نطاق الأمراض الأيديولوجية والسيكولوجية.