Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر June 29, 2026
A A A
السلطة اللبنانية أعطت ما لا تملك لمن لا يستحق!!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”

لم يكد يجف حبر اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل حتى بدأت تتكشف ثغراته، وتتوالى تداعياته التي استفزت غالبية اللبنانيين، بعدما تبين لهم أن السلطة اللبنانية أعطت ما لا تملك لمن لا يستحق.

فالسيادة الوطنية، وأمن البلاد، واستقرارها، ليست ملكًا للسلطة كي تتصرف بها، بل هي ملك للشعب، مصدر السلطات.

كما أن الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من الجنوب، والاعتداء على أهله، يشكلان جريمة موصوفة، لا يحق لإسرائيل ارتكابها، ولا يملك أي مسؤول، مهما علا موقعه، أن يمنحها شرعية البقاء أو حق الاستمرار فيها.

وما إن أُعلن الاتفاق ونُشرت بنوده حتى سارع بنيامين نتنياهو إلى إعلان النصر أمام المجتمع الإسرائيلي، مؤكدًا أن جيشه باقٍ في الجنوب، وأن اعتداءاته على لبنان ستستمر، معتبرًا أن إسرائيل نجحت في منع إيران من فرض الانسحاب عليها من لبنان، استنادًا إلى المذكرة الأميركية ـ الإيرانية، وأنها أخرجت مع حزب الله من المعادلة.

وبحسب هذا الواقع، فإن أبناء الجنوب هم أيضًا أُخرجوا من المعادلة، لتدخل إسرائيل إليها بغطاء كامل من السلطة السياسية، التي يرى أكثرية اللبنانيين أنها ارتكبت سابقتين ستسجلان في التاريخ، لأنهما تتعارضان مع المنطق السياسي والواقع، ولم يشهد تاريخ الدول مثيلًا لهما.

السابقة الأولى تمثلت في قيام السلطة بسحب الجيش اللبناني من الجنوب مع بدء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان في الثاني من آذار الماضي، بما حال دون مواجهة تلك الاعتداءات، بالتزامن مع سحب شرعية المقاومة بقرار صادر عن مجلس الوزراء، وتكليف الجيش ملاحقة المقاومين الذين يتصدون للتوغلات الإسرائيلية.

أما السابقة الثانية، فتمثلت في أن السلطة اللبنانية كانت قد حصلت، استنادًا إلى المذكرة الأميركية ـ الإيرانية، على وقف لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي خلال ستين يومًا من دون قيد أو شرط، لكنها عادت بعد ذلك إلى الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، منحتها خلالها حق البقاء في أرض الجنوب، وحق “الدفاع عن النفس” إذا ما شعرت بوجود تهديدات أو حتى نوايا عدوانية.

أي أن إسرائيل التي لم تكن يومًا بحاجة إلى ذريعة للاعتداء، أصبحت بموجب هذا الاتفاق، تقصف وتقتل على النية، وبات احتلالها واعتداءاتها يحظيان بشرعية مستمدة من اتفاق واشنطن، وهو ما أكده نتنياهو مرارًا بقوله إن ما تقوم به إسرائيل في لبنان يتم بالتفاهم مع السلطة اللبنانية.

ولعل الأخطر من هاتين السابقتين أن السلطة اللبنانية قيدت نفسها بشروط المناطق التجريبية، ووضعت أداءها وأداء جيشها تحت تقييم العدو الإسرائيلي، تمهيدًا لتنفيذ الانسحاب المزعوم، الذي توحي بنود الاتفاق، كما توحي تصريحات نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، بأنه لن يتحقق، وأن الاحتلال سيستمر إلى أجل غير مسمى، أو إلى أن تنجح المقاومة مجددًا في فرض دحره، كما فعلت عام 2000.

ولا شك، بحسب هذا المنطق، أن نتنياهو، بعدما مُنح حق تقييم أداء السلطة والجيش، بدأ يتدخل في شؤون المؤسسة العسكرية اللبنانية، مطالبًا بإجراء تغييرات فيها، ومدعيًا وجود جهاديين في صفوفها، ومؤكدًا أنه سينتظر ما ستفعله الحكومة اللبنانية في هذا الشأن، ليبني على أساسه القرار الإسرائيلي بشأن الانسحاب.

واللافت أن الجيش وحده رد على هذه الاتهامات، أما السلطة السياسية ومن يواليها ممن يرفعون شعار السيادة، فقد التزموا صمتًا مطبقًا إزاء الانتهاكات التي يمارسها نتنياهو ووزراؤه وجيشه في لبنان، في وقت يرى فيه مراقبون أن هؤلاء لم يعودوا يملكون حق الاعتراض أو الرد، بعدما نص اتفاق واشنطن الذي وافقت عليه السلطة وهلّل له السياديون، على ما يبرر هذه الممارسات.

يمكن القول إن الانقسام في لبنان، بعد الإعلان عن اتفاق واشنطن، لم يعد بين مؤيد للمقاومة ومعارض لها، بل أصبح بين من يؤيد توجه السلطة في الاستسلام لإسرائيل وإلقاء طوق نجاة لنتنياهو وهو على وشك الغرق، وبين من يرفض هذا النهج جملةً وتفصيلًا، بغض النظر عن موقفه من المقاومة. وهذا الرفض، كما يبدو، بدأ يتحول إلى كرة ثلج قد تطيح بهذا الاتفاق عاجلًا أم آجلًا.