Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر February 7, 2026
A A A
السجون في لبنان… بين اتفاق الترحيل وتنشيط العدالة
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

أقرّ مجلس الوزراء اتفاقية مع سوريا تقضي بنقل نحو 300 موقوف سوري من المحكومين الذين أمضوا عشر سنوات أو أكثر في السجون اللبنانية إلى بلدهم كمرحلة اولى.
للوهلة الأولى، تبدو هذه الخطوة إجرائية بحتة، لكنها في الواقع تفتح باباً واسعاً للنقاش حول أزمة مزمنة تعانيها المنظومة السجنية في لبنان، والتي تحولت مع مرور الوقت إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق في بنية الدولة ومؤسساتها القضائية.
الاكتظاظ لم يعد مجرد توصيف تقني، بل واقع قاسٍ يفوق فيه عدد السجناء القدرة الاستيعابية بأكثر من الضعفين. هذا الواقع أفرز ظروفاً معيشية وصحية متردية، من انتشار الأمراض إلى النقص الحاد في الغذاء والدواء، وصولاً إلى ارتفاع معدلات الوفيات والإضرابات المفتوحة عن الطعام.
وفي ظل هذه الصورة القاتمة، لم يعد التحذير من تحوّل السجون إلى “قنابل موقوتة” مجرد مبالغة، بل قراءة واقعية لمسار خطير إذا استمر الإهمال.
من هنا، يمكن النظر إلى الاتفاق مع سوريا كبداية مسار شرط التأكد بأن الذين سيُرحلون سيكملون تنفيذ أحكامهم، والا يكون ما حصل عفو مقنّع وغير عادل تجاه السجناء اللبنانيين. ان ترحيل عدد من المحكومين قد يخفف الضغط مؤقتاً عن السجون لكنه لن يحل المشكلة، اذ ان أحد أبرز أسباب الاكتظاظ هو الإفراط في التوقيف الاحتياطي، حيث تتجاوز نسبة غير المحكومين 65% من إجمالي السجناء. هذه الأرقام تعني أن غالبية من يقبعون خلف القضبان لم تصدر بحقهم أحكام نهائية بعد، ما يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم العدالة وسرعتها. فالسجن قبل الحكم يجب أن يبقى استثناءً لا قاعدة.
يزيد المشهد تعقيداً اعتكاف القضاة وما نتج عنه من شلل في عمل المحاكم، لتصبح العدالة رهينة التعطيل. ومع بطء الإجراءات القضائية، وصعوبة سوق السجناء إلى قصور العدل، وغياب إطار تشريعي يسمح بعقد جلسات محاكمة عن بُعد، تتراكم الملفات وتطول فترات التوقيف، فيما يدفع الموقوفون وعائلاتهم ثمن هذا الجمود.
ولا يمكن إغفال الجدل المستمر حول الموقوفين الإسلاميين، إذ صدرت أحكام متباينة بحق بعضهم، بينما لا يزال آخرون قيد التوقيف منذ سنوات من دون محاكمات مكتملة.
أما على المستوى الإداري، فضعف إدارة ملفات الموقوفين وعدم الالتزام بالمُهل القصوى للتوقيف الاحتياطي يعكسان خللاً حصل نتيجة تراكمات من السياسات غير المكتملة وغياب التخطيط.
الحلول، وإن كانت معروفة، تحتاج إلى قرار جريء قبل أي شيء آخر. تفعيل محكمة داخل سجن رومية المركزي من شأنه تسريع المحاكمات والبت في الملفات العالقة، فيما يشكل إيجاد آلية قانونية لترحيل نحو 40% من السجناء غير اللبنانيين خطوة ضرورية لتخفيف الضغط. لكن الأهم يبقى في إعادة الاعتبار لمبدأ المحاكمة السريعة والعادلة، وتبني بدائل للتوقيف الاحتياطي، وتحديث البنية التشريعية بما يسمح باستخدام التكنولوجيا في إدارة العدالة.
ان السجون، مهما كانت طبيعتها، يجب ألا تتحول إلى مساحات للنسيان أو العقاب المضاعف، اتفاق نقل المحكومين قد يكون بداية الطريق، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على تحويل هذه الخطوة إلى خطة إصلاح شاملة، تعيد التوازن بين الأمن والعدالة، وتؤكد أن كرامة الإنسان لا تسقط حتى خلف القضبان مهما كانت جريمته.