Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر July 9, 2026
A A A
الستاتيكو الخشن… بين تصعيد ترامب وحرب الاستنزاف المنخفضة السقف
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

دخلت المنطقة مرحلة حرب الاستنزاف المنخفضة الوتيرة، المرافقة للمفاوضات، بعد أن اختبرت واشنطن وتل أبيب أقصى درجات الضغط العسكري والسياسي لإخضاع إيران والقضاء على المقاومة في لبنان. لكن مع انقشاع غبار المعارك، تبدّد رهان الحسم العسكري المباشر بعد أن عجزت الآلة الحربية الأميركية ـ “الإسرائيلية” عن تحقيق اختراق استراتيجي يترجم ميدانياً وسياسياً.

وأمام هذا العجز الميداني، انتقلت الولايات المتحدة إلى تكتيك بديل حاول انتزاع بالمفاوضات والدبلوماسية ما عجزت عنه الحرب، سواء عبر القنوات الخلفية مع طهران أو من خلال “اتفاق 26 حزيران الإطاري” الذي فرضته واشنطن. لكن الوقائع الجارية على أرض الواقع تؤكد فشل هذه المحاولات السياسية، لتدخل المنطقة مرحلة “الستاتيكو الخشن” المحكوم بحرب استنزاف منخفضة السقف بانتظار نضوج التسوية الإقليمية الكبرى.

 

أولاً: فشل خيار الإخضاع بالحرب

تنطلق القراءة الواقعية للمشهد من حقيقة تاريخية كرّستها جولات المواجهة: فشل الحرب “الإسرائيلية” ـ الأميركية المشتركة في كسر شوكة محور المقاومة. ورغم حجم الاستهداف غير المسبوق، أثبتت طهران قدرة عالية على إدارة حافة الهاوية والحفاظ على أوراق قوتها الإقليمية، في حين نجحت المقاومة في لبنان في الصمود واستدراج جيش الاحتلال “الإسرائيلي” إلى فخ الاستنزاف، بعد أن نجحت في امتصاص الضربات، وإعادة تنظيم صفوفها، وترميم بنيتها القيادية والتكتيكية.

هذا الصمود الميداني جعل خيار “الحرب الشاملة” من وجهة نظر واشنطن خياراً غير مجدٍ وعالي الكلفة؛ فاختبار القوة أثبت أنّ الذهاب إلى مواجهة مفتوحة لن يحقق الأهداف الأميركية، بل سيؤدي إلى تفجير الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، مما دفع الإدارة الأميركية الجديدة للبحث عن مسارات بديلة.

 

ثانياً: سقوط “اتفاق الإطار”

في فخ التوازنات الحقيقية

حين فشل الميدان في تحقيق تصفية المقاومة، حاولت الإدارة الأميركية الالتفاف على النتائج عبر هندسة “اتفاق إطاري” في واشنطن برعاية أميركية مباشرة ومحاولة فرضه كأمر واقع أمني وسياسي يعيد إنتاج مفاعيل “اتفاق 17 أيار” المشؤوم بشروط جديدة. هدف الاتفاق بوضوح إلى نزع سلاح المقاومة وتشريع بقاء قوات الاحتلال في بعض المناطق بذريعة “الترتيبات الأمنية المشروطة”.

لكن هذا المسار الدبلوماسي ولد ميتاً، كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، لأنه تصادم مع حقيقتين جوهريتين:

معادلة القوة الميدانية: أبلغت المقاومة كلّ من يعنيه الأمر أنها غير معنية ببنود هذا الاتفاق، معتبرة إياه محاولة لشرعنة الاحتلال.

استحالة الإكراه الداخلي: لا يمكن لأيّ سلطة في لبنان أو اتفاقات فوقية القفز فوق موازين القوى على الأرض، مما جعل الاتفاق حبراً على ورق يعجز عن تفكيك بنية المقاومة أو توفير الأمن للاحتلال في شمال فلسطين.

 

ثالثاً: تصريحات ترامب التصعيدية

سياقات الردّ وفرض الشروط

في ذروة هذا الانسداد الدبلوماسي، تأتي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التصعيدية الأخيرة وتهديده بضرب إيران واحتلال “جزيرة خارك” النفطية الاستراتيجية، وإعلانه أنّ المفاوضات مع طهران ومذكرة التفاهم أصبحت “مضيعة للوقت”، لتعكس مأزق الخيارات الأميركية في المنطقة. هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن مسارين متوازيين:

إطار الردّ المباشر: تندرج هذه التهديدات كقراءة للردّ الأميركي على قيام إيران باستهداف عدد من الناقلات التي لم تلتزم بالتعليمات الإيرانية للعبور في مضيق هرمز، حيث تسعى واشنطن عبر استعراض القوة العسكرية إلى ترميم قدرة الردع البحرية وحماية خطوط الملاحة الدولية من الضغط الإيراني المتصاعد.

إطار تعديل مذكرات التفاهم وفرض الشروط: على المدى الاستراتيجي، يهدف هذا التصعيد إلى محاولة قسرية لتعديل تفاهمات الملاحة، ومنع طهران من فرض إشرافها الأحادي على حركة العبور في مضيق هرمز. يريد ترامب استثمار لغة النار لفرض الشروط الأميركية القصوى في أي مفاوضات مستقبلية، والالتفاف على “التعادل السلبي” عبر التلويح بقطع شريان النفط الإيراني في جزيرة خارك، وتدمير البنى التحتية، مراهناً على تراجع طهران تحت وطأة التهديد الشامل.

 

رابعاً: الدبلوماسية وحرب

الاستنزاف المنخفضة السقف

بالتوازي مع الساحة اللبنانية والخليجية، سعت واشنطن عبر قنوات التفاوض مع إيران إلى محاولة “شراء الوقت” أو تفكيك الأوراق الإقليمية للمحور عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية المقرونة بوعود التسوية. غير أنّ طهران أدارت المشهد بعقلية “التفاوض تحت النار”، رافضةً تقديم تنازلات جوهرية تمسّ بعمق أمنها الاستراتيجي وحلفائها.

ونتيجة لانكسار خيار الحرب الشاملة وعقم الحلول الدبلوماسية الأحادية، استقرّ المشهد عند “الستاتيكو الخشن”؛ حيث تحوّلت الساحات إلى حلبات لإدارة الأزمة عبر حرب استنزاف منخفضة السقف ومنضبطة السقوف:

في جنوب لبنان: ردود مدروسة ونوعية على الخروقات “الإسرائيلية”، وتأكيد على جهوزية المقاومة لنقل المعركة إلى شمال فلسطين المحتلة إذا فرضت الضرورة، مما يمنع العدو من تثبيت أيّ واقع أمني مستقرّ في المناطق المحتلة.

في مضيق هرمز: ضغط مستمرّ على الممرّ المائي الحيوي لإشعار الإدارة الأميركية بأنّ أيّ محاولة للالتفاف على توازنات المنطقة ستكون كفيلة برفع كلفة الأمن والتجارة الدولية، وهو ما يفسّر حدة الغضب والتهديدات الصادرة عن ترامب.

 

خلاصات واستنتاجات:

1 ـ معادلة “التعادل السلبي”: لا يملك الطرف الأميركي ـ الإسرائيلي القدرة على حسم المعركة والقضاء على المقاومة، أو إخضاع إيران للإملاءات، خصوصاً بعد التماسك الداخلي الذي تجسّد في مشاركة الملايين بوداع المرشد الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي. وفي المقابل، ليس لدى محور المقاومة الرغبة في تفجير حرب إقليمية شاملة مدمرة دون ضرورة قصوى. هذا الواقع يفرض البقاء في مربع الاستنزاف المقيد كخيار وحيد متاح لجميع الأطراف.

2 ـ الميدان يصحّح الدبلوماسية: ثبت مجدّداً أنّ أيّ اتفاقات سياسية لا تعكس الموازين الحقيقية للقوى على الأرض مصيرها الفشل والسقوط. الدبلوماسية لا تصنع واقعاً جديداً، بل تترجم فقط ما يفرضه السلاح والصمود في الميدان؛ ولن تنفع لغة التهديد بـ “جزيرة خارك” في إلغاء هذه الحقيقة.

3 ـ الانتظار ريثما تنضج التسوية الشاملة: إنّ المنطقة قد دخلت بالفعل مرحلة حرب استنزاف منخفضة السقف وعالية النبرة السياسية. ستبقى جبهات الاستنزاف في الجنوب اللبناني ومياه الخليج ومضيق هرمز منصات لتبادل الرسائل الساخنة وتحسين شروط التفاوض، ريثما تنضج ظروف “تسوية كبرى” تعترف فيها الإدارة الأميركية بموازين القوى الجديدة في المنطقة، وهي تسوية لن تقبل المقاومة أو إيران أن تكون على حساب عناصر قوتهما الوجودية والاستراتيجية…