Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر February 12, 2026
A A A
الحروب غير المنتهية مأزق ترامب ونتنياهو
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

يمكن الحصول على مثال بعيد عن حروب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لحروب غير منتهية، يتباهى أصحابها على طريقة ترامب ونتنياهو بالحسم وتحقيق النصر فيها، بالرغم من أن في هذا المثال بعضاً من ترامب وبعضاً من نتنياهو، والمقصود حرب الحكومة السورية ومن خلفها تركيا طبعاً على قوات سورية الديمقراطية، حيث كانت الحرب بضوء أخضر أميركي وسماح إسرائيلي لتمكين الحكم في تركيا وحكومة سورية من الاطمئنان إلى عدم نشوء كيان كردي موحّد في المنطقة يفكك دولها، في ضوء ظهور الاستثمار الأميركي الإسرائيلي على دور أكراد إيران والعراق في الحرب مع إيران.

حازت تركيا ودمشق صورة نصر، لكن في الحقيقة احتفظ الأكراد بأمرين، مساحة جغرافية أصغر من السابق بكثير يمارسون عليها سلطتهم الذاتية بأدوات أمنية مستقلة عن حكومة دمشق، لكنها ترفع راية الحكومة شكلاً، هي مناطق الغالبية الكردية بعدما خسروا المناطق ذات الغالبية العربية والمناطق النفطية وتقلّصت جغرافية الحكم الذاتي إلى الربع، لكنها لم تسقط، وبقيت النواة الصلبة الصالحة للتوسّع في أي ظرف لاحق مناسب، كما بقيت النواة العسكرية الصلبة في تشكيل مستقل تحت مسمّى فرقة عسكرية كردية مكوّنة من ألوية من عناصر قسد تتبع وزارة الدفاع بدلاً من توزيع عناصر قسد على ألوية مختلطة يفقدون فيها تماسكهم، فبقي تسلسل البنية الهرميّ وسلاحهم الثقيل والفردي، لكن تم قيده في لوائح أسلحة وزارة الدفاع، ومنحت حكومة دمشق وحكومة أنقرة فرصة الاحتفال بالنصر.

في حالة فنزويلا يتباهى ترامب كل يوم بتحقيق النصر، وهو يعلم أن العمليّة التي نفذها وحققت له السطوة المعنوية وصورة الإبهار والهيبة، لم يتبعها أحد أمرين، اتفاق اقتصادي يضمن الاستحواذ على ملكية النفط الفنزويلي وقيده ضمن ممتلكات الخزينة الأميركية، خصوصاً بعدما امتنعت الشركات النفطية الأميركية عن تمويل إنشاء بنى تحتية تتيح استثمار الثروة النفطية الصعبة والمعقدة لفنزويلا، أو تغيير سياسي في بنية النظام، سواء عبر انقلاب أو انشقاق عسكري، أو انتفاضة شعبية أو انقسام جغرافي ديمغرافي هم حكومة كاراكاس. وكانت النتيجة الاكتفاء باستخراج كميات تعادل شهرياً إنتاج يوم واحد من النفط الأميركي، والاحتفال بالنصر.

في حروب ترامب ونتنياهو المشتركة حرب أشعلاها معاً بعد اتفاق غزة غداة دخول ترامب إلى البيت الأبيض، حيث خرج نتنياهو من الاتفاق بتغطية من ترامب، وأطلق ترامب يد نتنياهو بتدمير غزة وإبادة سكانها وتجويعهم حتى تحقيق الاستسلام، متعهداً له بتحييد اليمن وقدرته على قصف العمق الإسرائيلي من جهة، وقدرته على إغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة نحو موانئ الكيان من جهة أخرى، لكن حرب نتنياهو التي دمّرت سمعة أميركا و”إسرائيل” في العالم لم تنجح بانتزاع صك الاستسلام من غزة، فلم يقبل أهلها بالتهجير ولا قبلت مقاومتها بإلقاء السلاح، أما ترامب فلم يصمد أكثر من شهر ونصف في حربه التي أعلن فتح أبواب الجحيم فيها على اليمن، وهرب بحاملات طائراته وسفنه الحربية موقفاً النار بلا شروط، بينما بقي اليمن يواصل قصف العمق الإسرائيلي، وإقفال البحر الأحمر أمام إسرائيل وتجارتها، ورغم ذلك وقف ترامب أمام الكنيست يقول لنتنياهو احتفل بالنصر، باستغلال صورة حجم الضحايا الذين سقطوا في غزة واعتبار قتلهم وتدمير غزة صورة انتصار، رغم عدم تحقيق الأهداف.

ما يواجهه ترامب ونتنياهو في الحرب والتفاوض مع إيران، هو أن الصورة التي رسماها لموازين القوى مبنية على الإبهار الناري والاستخباري، وليس على القدرة على بلوغ أهداف الحروب، ومثال لبنان الذي يتحدّث فيه سياسيّون كثر عن زمن الترامبية التي تحكم العالم، وعن يد “إسرائيل” العليا في كل شيء في المنطقة، يقول ما يعرفه عن كثب ترامب ونتنياهو وهو أن كل الإنجازات المبهرة نارياً استخبارياً، لم تتح للجيش الإسرائيلي اجتياز العتبة الحدودية مع لبنان ما فرض للذهاب إلى وقف إطلاق للنار بعد ستين يوماً من المحاولات الفاشلة، وأن استعصاء الحصول على توقيع المقاومة على الاستسلام، وتوقيع الشعب اللبناني في الجنوب على قبول التهجير لإنشاء المنطقة العازلة، ولا يبدو في الأفق أن شيئاً سوف يتغير في المدى المنظور والمتوسط.

مع إيران لا تختلف المشكلة من زاوية الأصل، لكن حجمها أكبر بكثير، وقد أطلق ترامب ونتنياهو وعوداً ربما يصدقانها، بأن كل شيء سوف يحسم في المنطقة عند الحسم مع إيران، وكلما اقتربت ساعة الحسم المفترض ظهر أن الطريق مليء بالتعقيدات والمخاطر، وأن التداعيات فوق القدرة على الاحتواء والتأقلم، وأن انهياراً كبيراً قد يحدث وتخرج معه الأمور عن السيطرة، لذلك عندما التقى ترامب ونتنياهو لم يكن لدى أيّ منهما حلّ، من جهة ترامب لا يستطيع أن يقدّم عرضاً لما ينتج عن التفاوض بصورة تضمن تأييد نتنياهو، ومن جهة مقابلة نتنياهو لا يستطيع تقديم معطيات للتشجيع على خوض الحرب تضمن ثقة ترامب، فيصبح التأجيل حلاً وهذا جوهر ما قاله ترامب، دعنا نختبر التفاوض ثم نقرّر، وهو يعلم أنه لن يجد في التفاوض ما يريح نتنياهو ويطمئنه، وأن المخاطرة بحرب كان يريد نتنياهو تحييد “إسرائيل” من تداعياتها بوساطة روسية مع إيران ليست حرباً يمكن لنتنياهو أن يقول لترامب إنها مضمونة النتائج.

أن تربح الحرب في الإعلام بكميّة الخراب والقتل التي ترافق حروبك، شيء مختلف عن ربح الحرب الحقيقيّة بسحق العدو أو الحصول على توقيع الاستسلام منه.