Beirut weather 11.41 ° C
تاريخ النشر February 28, 2026
A A A
«الحرب الكبرى» التي وجِد «الحزب» لأجلها لم تقع بعد..
الكاتب: جورج شاهين

كتب جورج شاهين في “الجمهورية” 

 

بعدما نَطَق «الصامت الأكبر» وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي بصفته وسيطاً بين واشنطن وطهران، متحدثاً عن أفكار جديدة أحدثت تقدّماً ملحوظاً بعد جولة مفاوضات جنيف الثالثة، لم يلاقه الطرفان بالإيجابية نفسها. فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وافقه بقرب انعقاد الجولة الرابعة بعد «محطة تقنية» في فيينا، فيما كشف الجانب الأميركي عن لائحة مطالب جديدة وُصفت بـالتعجيزية. وهو ما انعكس مزيداً من المخاوف في لبنان، أبعد مما عكسته في الداخل الإيراني. وهذه بعض المؤشرات والدلائل؟

 

على عكس ما انتهت اليه الجولات السابقة من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية ما بين مسقط وجنيف، قدّم الوسيط العماني ليل الثلاثاء الماضي جرعة دعم لوساطة بلاده، متحدثاً عن أجواء إيجابية وتقدّم ملحوظ في المفاوضات بين طرفيها. وقال بيان عمّمته السفارة العمانية التي تستضيف المفاوضات، إنّ «اللقاء تناول استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيراني، إلى جانب ردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي، في شأن معالجة العناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي والضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق يشمل الجوانب التقنية والرقابية كافة». ونقل البيان عن وزير الخارجية العمانية بدر البوسعيدي قوله: «إنّ المساعي مستمرة في صورة حثيثة وبروح بنّاءة، في ظل انفتاح المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة في صورة غير مسبوقة، وتهيئة الظروف الداعمة للتقدّم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة».

 

 

 

بالتأكيد لم يدخل رأس الديبلوماسية العمانية في التفاصيل التي تناولها الجانبان في وقت لاحق. وفي الوقت الذي توافق طرفا المفاوضات على انّ المساعي مستمرة وصولاً إلى الجولة الرابعة منها، بعد محادثات تقنية يستضيفها مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا بإشراف مباشر من مديرها العام رافائيل غروسي الذي كان طرفاً رابعاً في الجولة الأخيرة، إن احتُسب الوسيط العماني ثالثهم. وقد عكست مشاركته إشارة بالغة الأهمية بأنّ البحث قد ذهب عميقاً في تحديد حجم ما سيكون مسموحاً به من نسبة التخصيب في المنشآت الإيرانية، بعدما تفاوتت التقديرات بين رفضها التراجع عن حقها بعملية كاملة، وتسريبات لمراجع مستقلة تحدثت عن السماح لها بنسبة تتراوح بين 2 و3%. وهو أمر يعني التخلّي عن المنشآت المتطورة في «فوردو» و»نطنز» و»أصفهان»، والعودة إلى المفاعلات القديمة ومنها منشأة «خورمشهر» الروسية المنشأ قبل بناء الخبراء الإيرانيين الجديد المتقدّم منها.

 

 

 

وفي الوقت الذي أحدثت مشاركة غروسي إشادة إيرانية نادرة وغير مسبوقة، عبّر عنها الوزير عراقجي الذي وصف المحادثات بأنّها «إحدى أكثر جولات التفاوض جدّيةً وأطولها، وكان وجود المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي جيدًا من حيث الجوانب الفنية، وحققنا تقدّمًا جيدًا»، نُقل عن المسؤولين الأميركيين إصرارهم على تفكيك المنشآت الإيرانية في المواقع الثلاثة التي استهدفتها الغارات الأميركية في حرب حزيران الماضي، ما يعني انّ هناك حاجة للتريث لفهم ما ستؤول إليه مفاوضات فيينا التقنية، التي ستحسم الجدل حول ما سيكون مصير مخزونها من اليورانيوم المخصب، وما هو مسموح به من تخصيب، بإشراف مباشر من الوكالة الدولية، بعدما غاب مراقبوها لفترات طويلة عن المنشآت الإيرانية، منذ أن جمّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته السابقة التفاهم مع إيران عام 2018.

 

 

 

وفي الوقت الذي اكّدت إيران على لسان مسؤوليها، أنّ «هناك قضايا أخرى لا تزال محل خلاف»، لفتت التقارير الديبلوماسية والاستخبارية، إلى انّ ما هو مقصود يتصل بلبّ الشروط الأميركية التي ظهرت في الجولة الأخيرة من المفاوضات، والتي قالت بخطوات غير مسبوقة لا يمكن لطهران أن تجاريها بالوساطة الديبلوماسية. فهل يُعقل أن تسلّم إيران ما أنتجته من مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم لواشنطن بعدما رفضت سابقاً نقلها إلى روسيا او أي دولة ثالثة؟ وهل يمكن أن تقبل بإلغاء مبدأ التخصيب كاملاً والتخلّي عن منظومة الصواريخ وحصرها بمدى لا يتعدى 300 كيلومتر، بعدما أنتجت صواريخ يصل مداها إلى أكثر من 3200 كلم، كما ادّعى قادتها في سلاح الجوـ فضائي، كما بالنسبة إلى تخلّيها عن الأذرع في لبنان والمنطقة بالصيغة المطروحة عليها؟

 

 

 

وبعيداً من هذه المؤشرات الإقليمية والدولية السلبية، تتّجه الأنظار إلى الساحة الداخلية التي لم يجنّبها أي سيناريو دون ان تكون مسرحاً موازياً للمسرح الإيراني بكل المعايير العسكرية والأمنية والديبلوماسية، مما يرفع من نسبة القلق من أي تدخّل يقود فيه «حزب الله» لبنان إلى آتون الحرب التي قد تكون «الأخيرة»، والتي «لم تقع بعد» منذ تأسيسه، كما قال أكثر من تقرير ديبلوماسي حملته أكثر من سفارة إلى بيروت. وهي أجمعت على التحذير من مغبة أن يطلق الحزب صاروخاً واحداً في اتجاه إسرائيل، او توجيه أي مسيّرة في اتجاه اي قطعة بحرية أميركية في شرق المتوسط، كما قالت بعض التسريبات، والتي وصفت القاعدة الجوية للجيش في حامات على أنّها قاعدة أميركية.

 

 

 

على هذه الخلفيات، نُقل عن مرجع ديبلوماسي قراءة واضحة وضعت ما تبقّى من منظومة صواريخ الحزب في لبنان في أمرة الحرس الثوري الايراني، وأن لا علاقة لأي مسؤول لبناني بما قد يحصل، وهو ما يقود حتماً إلى اعتبار أي مسعى يقوم به أي مسؤول لبناني بمن فيهم الرئيس نبيه بري بصفته «الأخ الأكبر» غير ذي فعالية، إلى أن تقع الواقعة. وعندها قد تظهر المواقف على حقيقتها بعد انتفاء هوامش المناورة. إذ لن يكون هناك متسع من الوقت للمسايرة، عندما يتصل الأمر بما هو متوقع من ضربات موجعة وغير مسبوقة تتخطّى مجريات الحرب في البقاع وما بين النهرين إلى كل لبنان.