Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 9, 2026
A A A
الجيش في مرمى الاستهداف والضغوط.. هل يُدفع لبنان نحو الفتنة؟
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

تبدأ أولى ملامح انهيار أي دولة باستهداف جيشها ومؤسستها العسكرية، سواء عبر إضعافها سياسياً، أو الحؤول دون تسليحها، أو تحميلها مسؤوليات تتجاوز قدراتها وإمكاناتها. الجيش اللبناني هو خط الدفاع الأخير عن الدولة وصمام أمانها، وأي محاولة لإضعافه أو تحويله إلى طرف في صراع داخلي تعني عملياً ضرب واحدة من أهم ركائز الاستقرار الوطني.

 

ولعل اللافت أن نقاشات سابقة، جرت في جلسات مغلقة ضمت عدداً من النواب والمسؤولين الذين يرفعون شعار “السيادة”، تضمنت طرحاً مفاده أن “انهيار لبنان وإعادة بنائه وفق رؤية أميركية قد يكون أقل كلفة من إعادة ترميمه ضمن التوازنات السياسية القائمة”.

وهذه النقاشات التي كانت حاضرة بقوة قبل انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، لم تُطوَ، بل عادت إلى الواجهة، ولا سيما في ظل الدعوات إلى دفع الجيش نحو مواجهة المقاومة في الداخل.

 

 

وقد عبّر المبعوث الأميركي توم برّاك عن هذا التوجه عندما قال في مقابلة تلفزيونية: “إن الولايات المتحدة لا تريد تسليح الجيش لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بل دعمه وتجهيزه لمواجهة حزب الله”.

وبمعزل عن الموقف من هذا الطرح، فإن وضع المؤسسة العسكرية أمام خيار المواجهة الداخلية يطرح سؤالاً أساسياً: هل المطلوب جيش يحمي لبنان ويحفظ استقراره، أم مؤسسة يجري توظيفها في صراع سياسي وعسكري داخلي؟

 

اليوم، تتجدد نغمة استهداف الجيش عبر اتهامه بالتقصير في القيام بواجباته، بالتزامن مع ضغوط خارجية لا يمكن فصلها عن هذا المسار.

فقد قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن “مجرد انتشار الجيش لا يكفي”، بما يوحي بوجود مطالب تتجاوز ما تقوم به المؤسسة العسكرية حالياً، فيما وجّهت إسرائيل بدورها انتقادات إلى الجيش وحمّلته مسؤوليات تتصل بانتشاره وأدائه في الجنوب وعدم نزعه سلاح المقاومة.

 

 

ويأتي ذلك في وقت يتواصل فيه الضغط الأميركي والإسرائيلي على السلطة اللبنانية لدفع الجيش إلى أدوار أكثر خطورة، بالتزامن مع رفض التمديد لقوات اليونيفل، وتعقيد البحث في القوة التي يمكن أن تتولى مهامها لاحقاً، وعرقلة مؤتمرات دعم الجيش، وهو ما يثير المخاوف من وضع المؤسسة العسكرية أمام أمر واقع يدفعها، بصورة مباشرة، إلى التعاون والتنسيق مع جيش العدو الإسرائيلي.

 

وتزداد خطورة هذا المسار في ظل سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير المعادلة اللبنانية بما يحقق مصالح إسرائيل الأمنية والسياسية، فإدخال لبنان في فتنة داخلية قد يخلق ظروفاً تسمح لإسرائيل بتوسيع هامش حركتها واحتلالها، على غرار ما شهدته البلاد عام 1982، حين تحولت الانقسامات الداخلية إلى مدخل لتدخل عسكري إسرائيلي واسع.

 

 

أما الدفع باتجاه مواجهة الجيش والمقاومة على أساس فرضية أن المقاومة أصبحت ضعيفة ولم تعد قادرة على المواجهة، كما يحاول البعض الترويج له، فهو رهان بالغ الخطورة، فالفتنة الداخلية لا تحتاج إلى تفوق عسكري لطرف على آخر حتى تنفجر، بل يكفي أن تُفتح أبوابها حتى يصبح احتواؤها أكثر صعوبة من إشعالها، والتاريخ اللبناني حافل بما يؤكد أن الانقسام الداخلي، حين يتحول إلى صدام، لا يبقى محصوراً في إطار محدد.

 

في المقابل، يدرك رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أهمية الحفاظ على السلم الأهلي، وهو في ذلك يلتقي مع قيادة الجيش التي تؤكد، وفق عقيدتها الوطنية، أنها ليست طرفاً في مواجهة أي مكوّن لبناني، وأن مهمتها الأساسية هي حماية لبنان واللبنانيين والحفاظ على الاستقرار.

كما أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتحول إلى أداة للتنسيق مع العدو الإسرائيلي أو إلى طرف في صراع داخلي، لأن ذلك يمس جوهر العقيدة التي قامت عليها.

 

 

لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الجيش وأي مكوّن لبناني، بل في منع ضرب المؤسسة العسكرية، فالاختلاف السياسي حول السلاح أو الاستراتيجية الدفاعية يمكن أن يبقى موضوعاً للنقاش السياسي او ضمن الحوار الوطني، وما دون ذلك يعني نقل الخلاف من المؤسسات إلى الشارع، ووضع الدولة كلها أمام مخاطر لا يمكن التكهن بنتائجها.

 

لا شك في أن لبنان اليوم أمام مرحلة دقيقة، تتطلب التعامل مع الضغوط على المؤسسة العسكرية والسلطة بما يحفظ دور الجيش الوطني ويمنع أي انزلاق نحو التوتر والتفلت الأمني.

 

وفي كل الأحوال، يبقى الجيش خطاً أحمر وطنياً، لا لأنه فوق النقد أو المساءلة، بل لأن استهدافه ومحاولة إضعافه يعني إضعاف الدولة نفسها، والجيش الذي يحتاجه لبنان هو الذي يحمي جميع اللبنانيين، لا الذي يُطلب منه أن يخوض حرباً داخلية بالنيابة عن أي طرف، داخلياً كان أم خارجياً.