Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 15, 2026
A A A
الجيش: عاقل بين متطرفين
الكاتب: فراس الشوفي

كتب فراس الشوفي في الأخبار 

تثير وقائع الجلسة النيابية الأخيرة حول قانون العفو العام، وما بدر من رئيس الحكومة نواف سلام تجاه وزير الدفاع ميشال منسّى، والمنحى الطائفي الذي تمّ توظيفه بعدها، الكثير من المخاوف حول مستقبل العمل السياسي والوضع الأمني في لبنان، خصوصاً أن سلام ليس من صنف السياسيين التقليديين، بل جرى تسويقه كأبرز وجوه النخبة والتكنوقراط في البلاد.

 

كواليس النقاشات بين سلام ومنسّى، بحضور الرئيس نبيه بري ونائبه إلياس بو صعب، كلها تفاصيل مقلقة، تلاها منسّى من دون قفازات أمام وفد قيادة الجيش الذي زاره أول من أمس. وهو قال إن ما دفعه إلى التراجع عن إلقاء كلمته هو إعلان سلام قبل جلسة صباح الأربعاء، عزمه على ترك الحكومة والاستقالة، في حال ألقى منسّى كلمة الجيش، قبل أن يغادر منفعلاً من مكتب بو صعب. ما دفع منسّى إلى العدول عن إلقاء كلمته، وقال إنه لم يرغب في أن يكون سبباً لهزة سياسية من هذا النوع، وقرّر إصدار بيان يلخّص كلمته أمام اللبنانيين، حفظاً لحقوق الشهداء العسكريين الذين ارتقوا في معارك أو اعتداءات من الجماعات التكفيرية.

 

في الجلسة الأولى يوم الثلاثاء، فهم منسّى من كلام رئيس الحكومة «عم تحطّ الجيش بوجه الطائفة السنيّة» وسياق الحديث، أنه لم يصدر من رئيس الحكومة حرصاً على الجيش، بل تهديداً واضحاً لمنسّى والجيش، وهو ما أكّده منسّى أمام الضباط. وخطورة كلام رئيس الحكومة، مركّبة من طبقات، أوّلها أن القاضي المحترف آتٍ من خلفية لا طائفية وكان يبشّر قبل تولّيه السلطة باستكمال تطبيق اتفاق الطائف وإلغاء الطائفية السياسية، لكنه لجأ إلى التلويح الطائفي لفرض رأي على وزير في حكومته وعلى الجيش. المسألة الثانية، هي اعتبار سلام، أن الطائفة السنيّة تقف خلف مجموعة من الوجوه التي انخطرت في الجماعات التكفيرية، وقتلت مئات العسكريين (بينهم ما يزيد عن مئتي جندي سنّي) من دون أي تمييز، وكأن أحمد الأسير أو نعيم عبّاس هما من يمثّلان الطائفة السنيّة، أكثر ممّا تمثلها عائلات العسكريين الشهداء، أو عائلات آلاف الجنود والضباط الذين يشكّلون اليوم ما لا يقل عن ثلث عديد الجيش اللبناني.

 

فجاء انفعال رئيس الحكومة في غير محلّه، كون كلام وزير الدفاع، كان ليشكّل إرضاءً معنويّاً للجيش، الذي أدرك أن القرار السياسي بإصدار قانون عفوٍ عام عن قتلة جنوده وضباطه قد صدر قبل الجلسة بكثير، وأن لا أحد جدياً في البلد يعارض إقرار قانون العفو، طالما أن كل طائفة حازت على حصّة من العفو عن مساجينها. علماً أنه من الواضح للجميع أن الموقف السعودي الداعم والمشجّع لرئيس الحكومة، دفع سلام إلى التشدّد في موقفه، وهو الذي خشي أن يطير قانون العفو بعدما ظهر أن عدداً من الكتل، وفي حال قررت التضامن مع وزير الدفاع، كانت لتسقط القانون.

 

عملياً، استفاد سلام من الموقف السعودي إلى حدوده القصوى، فجمع غالبية النواب السنّة حوله، مقابل عدم التفاف كل النواب المسيحيين حول وزير الدفاع، لا سيما أن «القوات اللبنانية» سعت إلى إرضاء السعوديين وأهالي الموقوفين الإسلاميين وتصفية حسابات سياسية أخرى. حتى أن سلام استفاد من دعم التيار الوطني الحر لموقف وزير الدفاع أكثر مما استفاد الوزير.

 

كما حصد سلام جراء الموقف السعودي، موقفاً متحفظاً من رئيس الجمهورية جوزف عون عن تقديم دعم علني لوزير الدفاع والجيش كي لا يظهر أن هذا الدعم موجهاً ضد رئيس الحكومة ومن خلفه السعودية. كما استفاد سلام في محاولة خلق «عصب سنّي» جديد انطلاقاً من قانون العفو العام والشارع المؤيد للإسلاميين، خصوصاً أن السعوديين اليوم لا يفكرون إلا بالتنافس مع الإماراتيين، والقضاء على ما تبقّى من إرث وتأثير لآل الحريري في الشارع، بعد حملات الاجتثاث من مؤسسات الدولة.

 

تبعث هذه الأجواء المحيطة بالجيش على القلق، لا سيّما أنها تأتي في ظلّ المهام الكبرى الملقاة على عاتقه، ومحاولات كثيرين في الداخل والخارج الضغط على المؤسسة وقيادتها وقائدها العماد رودلف هيكل، للدخول في صدام مع حزب الله ونزع سلاحه بالقوّة، رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال مساحةٍ واسعة من أرض الجنوب. وهنا لا بدّ من التذكير، بأن موقف قيادة الجيش، اليوم هو الموقف العقلاني وسط مجموعة من الآراء المتطرفة، والمؤسسة هي فعلياً من سيتحمل نتائج القرارات المتطرفة في لحظة انقسام دولي وإقليمي ومحلي. وهذا ما يدفع بالقيادة الوسطى الأميركية «سينتكوم»، إلى احترام خيارات الجيش وقائده والتعامل معها بصفتها أفكار عملانية تؤدي الغرض المطلوب أميركياً من دون أن تفجّر الجيش أو البلاد، رغم أن حلقات الضغط تضيق، والمتطلبات العسكرية والأمنية الأميركية من الساحة اللبنانية تتوسّع.

 

ويزيد استمرار العدوان الإسرائيلي، والحملات الداخلية ضد الجيش، استسهال الهجوم على المؤسسة (في عزّ اتكال حكومة سلام عليها)، ما يهدّد بتجريد البلاد من أي قوّة ضامنة للسلم الأهلي عبر تهشيم المؤسسة بحملات إعلامية وسياسية ممنهجة، بالتوازي مع صعود العصب الطائفي والمذهبي في مختلف أنحاء البلاد. إضعاف الجيش وتقدّم العصب الطائفي، هما الوصفة المثالية حالياً، لتسليم البلاد إلى زعامات محلية مذهبية أو طائفية متطرفة، تنمو على هوامش الفوضى الاجتماعية والأمنية الحالية، خصوصاً أن البنى التقليدية في المجتمع اللبناني، تفقد تأثيرها وقدراتها الاقتصادية شيئاً فشيئاً، ولم يعد هناك «كبير» عند اللبنانيين.

 

هيكل من الحدود الشرقية: سنحمي الاستقرار والحدود

 

أطلق قائد الجيش العماد رودلف هيكل، مواقف مهمة خلال المناورة التي أجرتها القوات المنتشرة على الحدود الشرقية مع سوريا أول من أمس، مختصراً ذلك بثلاث مهام أساسية للجيش: الدفاع عن الاستقرار والأمن في الداخل، استعادة كامل الأرض المحتلة والسعي إلى تطوير القوة بالقدرات الذاتية. أهمية المناورة تكمن في توقيتها وشكلها ومكانها، فهي تأتي في اليوم الذي صدر فيه قانون العفو العام ومن بين المستفيدين، متورطون في استهداف الجنود في الحدود الشرقية، من بينهم شهداء فوج الحدود البري الرابع الذي زار هيكل مقره.

واختبر الجيش عملية دمج الأسلحة ومختلف القوات المنتشرة في البقعة القريبة، في مهمة الدفاع عن موقع عسكري ضد هجمات قوات معادية، وتضمن العتاد والأسلحة استخدام المروحيات والقصف والمراقبة من الطائرات المسيرة واستخدام الدبابات والآليات الخفيفة ودراجات الكروس، وبمشاركة قوات من أفواج وألوية متعددة.