Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر March 11, 2026
A A A
الجيش خط أحمر… لا تلعبوا على حبال الانقسام
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، برزت في الأيام الأخيرة حملة سياسية وإعلامية تستهدف قيادة الجيش اللبناني، وتطرح تساؤلات حول دورها وأداء قائدها العماد رودولف هيكل، بل وصل الأمر لدى البعض إلى الحديث عن استبداله أو استبعاده.
هذه الحملة، في توقيتها وطبيعتها، تطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها وتداعياتها، خصوصاً في بلد يعيش واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه.
ففي زمن الحرب أو التوترات الأمنية الكبرى، تُعدّ مسألة إقالة القادة العسكريين أو استهدافهم سياسياً من أخطر الخطوات التي يمكن أن تهز استقرار أي دولة، فالمؤسسة العسكرية ليست مجرد جهاز إداري أو موقع سياسي يمكن التعامل معه بمنطق التجاذب أو تسجيل النقاط، بل هي العمود الفقري للدولة وضمانة وحدتها.
رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ابن المؤسسة العسكرية اتخذ مبادرة تجاه هذه الحملات زائراً قيادة الجيش اللبناني في وزارة الدفاع، في رسالة واضحة تعكس حجم القلق من الانزلاق نحو استهداف المؤسسة العسكرية، مستحضراً استهداف الجيش في زمن الحرب الأهلية اللبنانية وانكسار وحدته تحت ضغط الصراعات السياسية والطائفية في احد اكثر الفصول مأساوية في تاريخ البلاد.
ان تحويل الجيش إلى مادة للسجالات الداخلية يشكّل خطراً مباشراً على الدولة نفسها، فالدول القوية تبدأ بمؤسسات قوية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي يفترض أن تبقى فوق الانقسامات.
الحملة التي اندلعت جاءت بعد تصريحات لقائد الجيش أكد فيها أن القيادة تتخذ قراراتها وفق ما تفرضه الظروف المعقدة، وأن الهدف الأساسي هو الحفاظ على لبنان وضمان وحدته، إلا أن بعض النواب رأوا في هذا الكلام تساهلاً في تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بملف نزع سلاح حزب الله، ما فتح الباب أمام موجة انتقادات سياسية.
فهل المطلوب من قبل اصحاب الحملة تحويل الجيش إلى ساحة صراع سياسي في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا اللعب على حبال الانقسام داخل مؤسسة يفترض أنها الضامن الأخير لوحدة لبنان؟ ولماذا لم يرتفع صوت هؤلاء سابقاً لتسليح الجيش وتمكينه؟.
التاريخ اللبناني مليء بالدروس القاسية التي أثبتت أن ضرب المؤسسة العسكرية لا يضعف طرفاً سياسياً بقدر ما يضعف الدولة كلها. فالجيش اللبناني، رغم كل الصعوبات، بقي على مدى عقود المؤسسة الوطنية الأكثر قدرة على جمع اللبنانيين تحت راية واحدة فكيف يطلب منه اليوم القيام بمهمة عجز العدو الاسرائيلي بكل امكاناته العسكرية واللوجستية والمخابراتية عن القيام بها؟
لذلك يبدو خطيراً أن تتحول الحملات السياسية إلى ما يشبه محاولة لخلق شرخ داخل هذه المؤسسة. فالمزايدات السياسية قد تكون مفهومة في إطار المنافسة بين القوى، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تطال الجيش في لحظة دقيقة يعيشها البلد.
يبقى السؤال الأهم: من المستفيد من إضعاف الجيش؟ ومن يريد إعادة لبنان إلى مناخ الانقسام الذي عرفه خلال الحرب الأهلية؟ وهل يدرك أصحاب “الرؤوس الحامية” أنهم حين يذهبون بعيداً في التصعيد بحيث باتوا يتحدثون بلغة العدو نفسه؟ وهل يريد هؤلاء دفع البلد الى حرب اهلية؟
في النهاية، قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد يتنازعون حول ملفات كثيرة، لكن ثمة حقيقة واحدة يصعب إنكارها: الجيش ثم الجيش هو الضامن لوحدة لبنان. ولذلك فإن اللعب على حبال الانشقاق داخل هذه المؤسسة ليس مجرد خطأ سياسي… بل مغامرة خطيرة بمصير بلد كامل.