Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر February 28, 2026
A A A
التمديد تحت ضغط الخارج في انتظار إعادة تشكُّل خريطة النفوذ!
الكاتب: أنطوان الأسمر

كتب أنطوان الأسمر في اللواء 

يتقدّم خيار التمديد للمجلس النيابي بخطى واثقة كجزء من إعادة هندسة شاملة لإدارة المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها لبنان. فخلف العناوين التقنية المرتبطة بالإصلاحات المالية (قانون الفجوة)، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتسهيل التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وإعادة إنتاج قانون الانتخاب، يتبلور مسار ضغط خارجي متدرّج هدفه الأساسي إعادة ضبط الزمن السياسي بما يتلاءم مع إيقاع التسويات الإقليمية ومقتضيات التفاوض الدولي.

 

تبدو المعادلة التي تُسوََّق في الكواليس الدبلوماسية بسيطة في ظاهرها: لا تمويل دولياً من دون استقرار تشريعي، ولا إعادة إعمار من دون مجلس نيابي قادر على تمرير القوانين المطلوبة بسرعة ومن دون مفاجآت سياسية. غير أنّ هذه الصيغة التقنية تُخفي في جوهرها قراراً بتعليق التداول الديموقراطي للسلطة بذريعة الواقعية السياسية، وتجميد التوازنات الداخلية إلى حين نضوج صفقة إقليمية أكبر لم تتضح ملامحها النهائية بعد.

في المقاربة الغربية السائدة، لا تحتلّ الانتخابات موقع الأولوية، بل تُصنَّف في خانة المخاطر. فمجلس نيابي جديد قد يعيد خلط الأوراق، لكنه في الظروف القائمة لن يغيّر جذريًا في موازين القوى. لذا يُفضّل دوليًا أن يبقى البرلمان الحالي شريكاً أكثر قابلية للتفاهم، وأكثر استعداداً لتمرير الحزمة التشريعية المطلوبة بأقل كلفة سياسية، ولأنه خصوصًا يعني تمديدًا تلقائيًا للحكومة ورئيسها، حتى لو حتّمت الضرورة تعديلًا في بعض وزرائها. هكذا يتحوّل مفهوم الاستقرار من قيمة ديموقراطية مرتبطة بالشرعية الشعبية إلى مفهوم وظيفي محض، يُختزل في قدرة السلطة القائمة على تنفيذ الأجندة الإصلاحية بأقل قدر من الاضطراب.

 

داخلياً، يصطدم هذا المسار بحاجز رمزي شديد الحساسية، يتمثّل في مبدأ تداول السلطة الذي يشكّل أحد أعمدة النظام البرلماني. فالتمديد يعيد إلى الواجهة ذاكرة مريرة من تعطيل الحياة الدستورية، ويستحضر تجارب سابقة تركت آثاراً سياسية وشعبية عميقة. مع ذلك، تكشف القراءة الواقعية لمواقف القوى السياسية عن فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة. فالرفض العلني للتمديد يبقى في معظمه موقفاً إعلامياً موجّهاً إلى الرأي العام، فيما الاستعداد الضمني للتكيّف معه يتقدّم بهدوء.

 

يمكن رصد ثلاث دوائر أساسية في مقاربة الأحزاب لهذا الاستحقاق.

– الدائرة الأولى ترفع سقف الرفض المبدئي تحت عناوين السيادة والديمقراطية واحترام الدستور، في محاولة للحفاظ على صورتها أمام جمهورها.

– الدائرة الثانية تفضّل اعتماد سياسة الصمت والمناورة، مترقبة تبلور الموقف الدولي النهائي قبل حسم خيارها.

– في حين تتعامل الدائرة الثالثة مع التمديد كخيار اضطراري، شرط إدراجه ضمن سلّة إصلاحية سياسية ومالية متكاملة تسمح بتسويقه كتنازل مؤلم فرضته الظروف لا كخيار سياسي حر.

 

الأكثر إرباكاً في هذا المشهد هي القوى التي بنت سرديَّتها السياسية على رفض التمديد ورفض التسويات القسرية. فهي عالقة بين ضغطين متناقضين: ضغط خارجي لا طاقة لها على مجابهته في لحظة انهيار مالي واجتماعي شامل، وضغط داخلي تخشى أن تفقد في مواجهته صدقيتها الشعبية. لذلك يُرجَّح أن تلجأ هذه القوى، عند اكتمال ملامح التسوية، إلى إنتاج خطاب تبريري قوامه الضرورة والإنقاذ ومنع السقوط الحر، بما يحوّل التمديد من خرق ديموقراطي إلى إجراء تقني موقت، ويخفّف من كلفة التراجع أمام جمهورها.

 

لكنّ الأسباب العميقة التي تدفع باتجاه هذا الخيار تتجاوز الحسابات المالية والإصلاحية المباشرة، وتلامس جوهر الصراع على السلطة. فالتمديد يُنظر إليه في بعض عواصم القرار أداة لكسب الوقت في مسار إعادة تركيب التوازنات الاستراتيجية، في مقدّمها ملف سلاح حزب الله. تنطلق هذه المقاربة من فرضية مفادها أن أي تحوّل نوعي في ميزان القوة العسكرية سينعكس تلقائياً تغييراً في البنية التمثيلية في البيئة الشيعية، مما يُفضي إلى إنتاج نخبة سياسية جديدة أكثر انسجاماً مع التوازنات الإقليمية الصاعدة، وأقل ارتباطاً بالمحور الإيراني.

في الوقت نفسه، يشكّل التمديد مظلّة حماية سياسية لرئيس الحكومة نواف سلام. إذ إن مجلساً نيابياً جديداً قد لا يعيد إنتاج الأكثرية التي سهّلت تكليفه ومن ثمّ التأليف. تاليًا، يعني إبقاء البرلمان الحالي تمديداً غير مباشر لعمر حكومته، وصوناً للاستثمار السياسي الذي ضخته الدول الراعية في مشروعه قبل سنة. من هنا، يتقاطع هاجس الاستقرار الحكومي مع حسابات إعادة ترتيب موازين القوى، ليشكّلا معاً محرّكاً أساسياً للضغط باتجاه التمديد.

بهذا المعنى، يصبح التمديد محطة مفصلية في مسار إعادة تشكيل النظام السياسي. ففي لحظة الانهيار الكبرى، تُعلَّق الديمقراطية على شماعة الضرورة، ويُعاد تعريف السيادة بوصفها قدرة على التكيّف مع أولويات الخارج أكثر مما هي تعبير عن الإرادة الشعبية. وبين الواقعية السياسية ومقتضيات الشرعية الدستورية، يقف لبنان مجدداً أمام مفترق حاسم: إما ترسيخ منطق الاستثناء الدائم، وإما استعادة الانتظام الديموقراطي كشرط لا غنى عنه لأي نهوض حقيقي.