Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر February 6, 2026
A A A
التفاوض وتراجع الحرب لا يعنيان التسوية
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– لن يكون خيار التسوية بين أميركا وإيران سهلاً، فالقضايا التي وضعها كل من الطرفين بمثابة خطوط حمراء لا تراجع عنها، يصعب التوفيق بينها، حتى لو حصر التفاوض في الملف النووي وصارت المواقف من مفرداته تعبيراً عن استعصاءات جوهرها ملفات أخرى، لن يكون ممكناً قيام التفاوض إذا تمّ الإصرار على إضافتها إلى جدول الأعمال، كما حدث عندما تراجعت واشنطن عن مفاوضات مسقط الثنائية والمحصورة بالملف النووي، لصالح التمسك بالتفاوض على البرنامج الصاروخي الإيراني ومصير دعم إيران لحركات المقاومة، وهي قضايا تتمسك بها “إسرائيل” وتضغط على واشنطن بعدم التخلي عنها، وكانت موضوع خطاب بنيامين نتنياهو الرافض لاتفاق 2015 أمام الكونغرس الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبباً لإلغاء الاتفاق عام 2018، بينما تعتقد إيران أن التنازلات في برنامجها الصاروخي تجعل الحرب عليها أقرب وأسهل وأقل كلفة؛ وهذا هو الهدف الفعلي برأي طهران للتمسك بهذا الملف بالمفاوضات، ولذلك سوف لن توقع واشنطن اتفاقاً نووياً لا يتضمن جواباً على البرنامج الصاروخي ولن توقع طهران اتفاقاً نووياً يتضمن بنداً حول البرنامج الصاروخي.

– لا بديل عن التفاوض، والتهديد بمعادلة كل شيء أو لا شيء من جانب واشنطن جلب من طهران جواباً قاطعاً، فليكن لا شيء حسناً، وصارت المنطقة مجدداً على شفا حرب، وصار المخرج الوحيد هو العودة للتفاوض الثنائي والمحصور بالنووي وفي مسقط، ما بدا أنه فرض إيران لإرادتها، لأنها وصلت في اللعب على الحافة إلى تجاوز خطر الحرب والاستعداد لأسوأ الاحتمالات، لكن واشنطن لم تتراجع مراعاة لحلفائها من الحكومات العربية والإسلامية كما زعمت، رغم أهمية التحوّل في الموقف العربي الإسلامي خلال عشر سنوات، من الاستعداد لحلف مع “إسرائيل” ضد إيران ومناشدة واشنطن خوض حرب ضد إيران، إلى موقف رافض للحرب مدرك أضرارها ومخاطرها، وحجم ما تستطيعه إيران إذا تعرّضت للحرب في ضوء تجربة حرب حزيران، ومدرك أن قطاع الطاقة سوف يكون الخاسر الأول خصوصاً بالنسبة للموردين والمستهلكين الذين سوف يواجهون مخاطر انهيارات تخرج عن السيطرة في الأسواق عدا المخاطر الناتجة عن الأعمال الحربية على المنشآت الاقتصادية والسكان.

– من الواضح أن الموقف العربي والإسلامي يأخذ بالاعتبار خطر التغوّل الإسرائيلي على دول المنطقة، وقد كانت تجربة سورية كافية ليفهم الحكام العرب والمسلمون، خصوصاً في الخليج وتركيا أنهم قد يخوضون حرباً أميركية مثل حرب إسقاط سورية لكنهم بعد الفوز يكتشفون أن “إسرائيل” كانت الفائز الأكبر ولا تزال من يضع الشروط ويوزع الأدوار ويحدد الأحجام، ويبدو واضحاً أن دول المنطقة تعتقد بأن تكرار مشهد سورية في إيران الذي يبشر به الأميركيون يعني عملياً منح “إسرائيل” فرصة التسيّد على المنطقة ومعاملة حلفاء أميركا فيها كعبيد.

– من الواضح أيضاً أن التراجع الأميركي لصالح قبول الصيغة الإيرانية شكلاً وموضوعاً بمفاوضات مسقط النووية الثنائية، جاء تفادياً للوقوع في الفراغ الذي تصبح معه مخاطر الحرب أكبر، وليس لأي سبب آخر، والأميركيّون يعرفون أن الموقف الإيراني والقدرة الإيرانية يتكاملان عند نقطة الاستعداد لخوض الحرب إذا كان ذلك لا بدّ منه لإعلان التمسك بالتخصيب والبرنامج الصاروخيّ وحركات المقاومة، وإيران تريد وتقدر أن ترسم علامات استفهام جدية حول قدرة “إسرائيل” أكثر مما فعلت في حرب الاثني عشر يوماً في حزيران العام الماضي، وقد أظهرت أنها استفادت من تلك الحرب لجعل قدراتها أعلى وخبراتها أكثر، ولذلك نجحت بمنع جولة ثانية للحرب خلال شهر مضى بتفكيك ناجح لشبكة ستارلينك التي وزّعت على أنحاء إيران كمنظومة ضبط وسيطرة للشبكات المكلفة بالتكامل مع الحرب الخارجية على إيران مع الحرب من الداخل الإيراني، وكما تظهر التطورات التي لحقت بسلاح الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي وتطور تكنولوجيا الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، خصوصاً ما سوف يلحق بـ”إسرائيل” من أضرار جسيمة بعدما قرّرت إيران أنه إذا وقعت الحرب يجب أن تذهب بها إلى أقصى قدرة إلحاق الأذى بالعمق الإسرائيلي من الساعات الأولى.

– نحن أمام معادلة تخرج من اختبارات خشنة لفرضيّة التصعيد تتراجع معها فرص خوض الحرب كلما وصل التصعيد إلى الحافة، ونحن أيضاً أمام استعصاء سياسي في صناعة تسوية إن تضمّنت سلاح الصواريخ الإيرانية وتحالفات إيران صارت خسارة إيرانية استراتيجية، وإن تجاهلت الأمرين صارت خسارة إسرائيلية استراتيجية لا تزال أميركا غير مستعدّة لخوض غمارها من أجل إنجاز تسوية، ما يعني التفاوض يبدأ وربما يستمرّ لمنع نشوب الحرب وليس لصناعة التسوية الصعبة.