Beirut weather 10.77 ° C
تاريخ النشر January 14, 2026
A A A
التعليم و سوق العمل: كيف يلتقيان؟!
الكاتب: د.ميرا فرنجيه - موقع المرده

وسطَ أجواء من الخوف والقلق التي يعيشها طلاب السنوات الأخيرة في الدراسة الثانوية، وهم يقفزون عند مفترق الطرق بين الحياة المدرسية والجامعية، نتساءل حول مدى فعالية الجهود التوجيهية المقدمة لمساعدتهم.

في هذا الاطار، شكل تنظيم نادي ” My club ” في السادس والعشرين من تشرين الثاني معرض “الجامعات والمهن”، الذي حضره نحو ١٠٠٠ طالب، فرصة حقيقية للتواصل المباشر مع الطلاب و رسم معالم المستقبل الأكاديمي و المهني حيث تحول إلى منصة ديناميكية لتبادل الأفكار و الخبرات بمشاركة ما يُقارب ثلاثين جامعة ومؤسسة، إضافة إلى حضور نخبة من الشخصيات القيادية و النقابية المؤثرة في المنطقة.

إرتكزت المناقشات على التخصصات الحديثة التي تواكب التحولات العالمية وفي مقدمها مجال الذكاء الإصطناعي، التكنولوجيا والإتصالات، مع التركيز على أهمية التخلي عن المفاهيم التقليدية في إختيار المسارات المهنية.

كما إتسم المعرض بالتنوع، حيث شمل مجالات مثل الطب، الهندسة، الإعلام والإقتصاد، مما وفر للطلاب رؤية شاملة حول متطلبات سوق العمل.

من جانب آخر، شكلَ حضور النقباء وأساتذة الجامعة و قادة الأعمال مصدر إلهام كبير خلال مشاركتهم قصص النجاح التي أبرزت أهمية القيادة والإبداع.

وقد ساهم هذا الحدث بشكل ملموس في ردم الهوة بين طموحات الشباب و متطلبات السوق المحلية، مسلطاً الضوء على التعاون الفعال بين القطاع السياسي و المدني لدعم إتخاذ قرارات مهنية مستنيرة لدى الشباب في منطقة زغرتا والشمال.

 

كيف ساهمَ هذا المعرض في تعزيز التوجيه التربوي لشباب زغرتا و الشمال؟

يُعَدُ الدعم التربوي ثمرة لتكاثف جهود وزارة التربية والمنظمات الدولية حيث تعمل الوزارة، بإعتبارها الجهة الرسمية، على تحديث المناهج التعليمية لضمان جودة التعليم المهني والتقني في كل المدارس الرسمية والخاصة.

إلى جانب ذلك، تُسهم منظمات دولية مثل اليونيسف، الأونروا والمفوضية السامية لشؤون الموظفين في دعم هذه الجهود، بالإضافة إلى التوظيف وتنظيم دورات تربوية تدريبية لتهيئة الشباب في الشمال لدخول سوق العمل.

أيضاً يمكن القول أن هذا الدعم المشترك بين الوزارة و المنظمات يثمر عن تعليم متميز يرتكز على أساس مهنة و تقنية متينة، بما يساهم قي توفير وظائف حديثة و منتجة، كما يؤدي ذلك إلى بناء قوى عاملة تمتلك مهارات مهنية و رقمية قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية و الدولية. يمكن القول أن المواءمة بين التعليم و سوق العمل تُعدُ أساساً جوهرياً لبناء مستقبل مستدام، حيث تضمن تزويد الخريجين بالمهارات و التعرف على التخصصات الحديثة المطلوبة فعلياََ في مختلف القطاعات.

هذا الرابط الديناميكي يجعل من الممكن تقليص فجوة المهارات وزيادة فرص التوظيف للشباب، من خلال توفير التدريب العلمي المتقدم والتخصص في مجالات سريعة التطور مثل التكنولوجيا و الذكاء الإصطناعي، ما يقلل معدل البطالة ويجعل من المؤسسة التعليمية الشريك المثالي لدعم الإبتكار والنهوض في المجتمع بدلاََ من الإكتفاء بمنح الشهادات.

 

ما هي الإستراتيجيات الواجب إتخاذها من قبل المعنيين للحد من هذه المشكلة؟

تُظهر تقارير البنك الدولي، التي ترصدُ أوضاع سوق العمل في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، و التي تنطبق على لبنان، وجود فجوةٍ كبيرة بين المهارات التي يمتلكها خريجو التخصصات التقليدية و تلك التي يبحث عنها أصحاب العمل، على سبيل المثال، يكشفُ مسح أجراه البنك الدولي بالتعاون مع الإتحاد الأوروبي أن ما يصل إلى ٨٨% من الشركات العاملة في قطاعات النمو مثل التكنولوجيا تُعاني من نقص واضح في الكفاءة ذات المهارات التقنية المتقدمة كعلم البيانات والذكاء الإصطناعي .واللافت أنه على الرغم من تزايد أعداد خريجي الجامعات، لا يزال نقص الكفاءات ملموساً.

هذه المشكلة توضح أن العائق ليس في كمية المتخرجين بل في نوعية المحتوى التعليمي و التخصصات الموجودة، كما تُشير بيانات الإسكوا إلى أن معدل البطالة بين الشباب اللبناني الحاصلين على الشهادات قد تجاوز ال ٢٥% عام ٢٠٢٥، ما يدلُ على أن الحصول على شهادة تقليدية ليس ضماناً لدخول سوق العمل.

الحلُ يكمنُ في التحول من نموذج تعليمي يعتمد فقط على مهارات نظرية إلى نموذج يركز على تعزيز التفكير النقدي وتنمية المهارات الرقمية. هذا التحول يمكن أن يُسهم في تخفيف الأزمة الإجتماعية و الإقتصادية التي تعاني منها البلاد. ومن الضروري إدخال تخصصات جامعية مُستحدثة، لذلك يجب التركيز على المهارات الحديثة التي تميز الطالب اللبناني والتي تنبعُ من هذا التحول الرقمي، مما يساهم في تحويل العلوم إلى مسارات ذات قيمة مضافة تخدم الإحتياجات الفردية والعامة. فعلى سبيل المثال يمكن تحويل علم الإجتماع، بإعتباره علماً مرناً، إلى تخصص رقمي من خلال تبني منهجيات تحليل البيانات و أدوات البرمجة لفهم تأثير التحولات الحديثة على السلوك البشري.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي دمج التقنيات الرقمية والهندسة، من خلال تطوير الرسوم الهندسية و إستخدام التكنولوجيا الحديثة، و أيضاً علوم أخرى مثل توظيف البيانات لإدارة المؤسسات العامة و الخاصة وتعزيز قدرتها على المنافسة مع دول العالم.

أيضاً ولتحسين سوق العمل في لبنان، يجب على الدولة مواءمة الإختصاصات التعليمية مع إحتياجات السوق الرقمي و التقني، و تحفيز الإبتكار و ريادة الأعمال عبر الدعم المالي أو الشراكة.

و أخيراً على الطالب اللبناني أن يعي أن الشهادة ليست مجرد وثيقة ورقية، بل هي مفتاح يستلزمُ تنمية مستمرة لقدراته و مهاراته العلمية ليصبح مؤهلاً للمنافسة في سوق العمل المحلي و العالمي، وأن بناءَ الذات والتميز هو جهد شخصي ومسؤولية ذاتية تقعُ على عاتقه بالدرجة الأولى، وهذا الجهد لا يُمكن أن يُنجزه بالنيابةِ عن الدولة والجامعة.

 

*أستاذة العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية