Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر March 17, 2026
A A A
التعليم الرسمي: تفاوت في الاستجابة
الكاتب: فاتن الحاج - الأخبار

يستمر النقاش حول واقع التعليم الرسمي في ظل الحرب، بين قرار وزارة التربية استئناف الدراسة عن بعد وتحفّظ روابط الأساتذة التي دعت إلى تأجيل العودة إلى ما بعد عيد الفصح. فبين مناطق هادئة نسبياً وأخرى تحت القصف، يتساءل المديرون والمعلمون: هل تسمح الظروف الحالية فعلاً بعودة التعليم، أم أن القرار جاء قبل توفير الحد الأدنى من مقوّماته؟

 

في مناطق كثيرة، تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، بينما لا يملك العديد من التلامذة، حتى في المدارس «المفتوحة»، الأجهزة اللازمة لمتابعة التعليم عن بعد. كما تفتقر المدارس إلى الدعم الكافي من الجهات المانحة، مقارنة بما كان يحصل خلال عدوان أيلول 2024، حين عرضت على المديرين توفير الأجهزة اللوحية والحواسيب للتلامذة. واليوم يعتمد الكثيرون على الهواتف المحمولة فقط، وهو أمر غير كافٍ لتعليم فعلي، خصوصاً عند وجود عدة أولاد في الأسرة الواحدة.

 

ينتقد المديرون والمعلمون غياب خطة تربوية متكاملة تأخذ في الاعتبار ظروف الحرب، رغم أنها كانت متوقّعة. وتعتبر المصادر أنه كان يجب إعداد مرحلة انتقالية واضحة بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد، مع فريق عمل داخل وزارة التربية، لوضع آليات للتعامل مع الحالات الطارئة.

 

استجابة المدارس الرسمية لقرار وزارة التربية تفاوتت بحسب الظروف الميدانية لكل منطقة. فبعض المدارس التزمت بتأجيل التعليم عن بعد إلى ما بعد الأعياد، وفقاً لقرار روابط الأساتذة، خصوصاً في المناطق التي تحوّلت مدارسها إلى مراكز إيواء أو تأثّرت مباشرة بالحرب.

 

في المقابل، اختارت مدارس أخرى متابعة التواصل مع التلامذة عبر منصات رقمية مثل «تيمز» و«واتساب»، لضمان استمرار التعليم عن بعد، فيما لا تزال بعض المدارس في مرحلة إحصاء أوضاع التلامذة، خصوصاً الذين تهجّروا من منازلهم، قبل الشروع في أي عملية تعليمية، لضمان مراعاة ظروف كل تلميذ بشكل دقيق.

في بيروت، حسمت غالبية المدارس الرسمية تأجيل العودة إلى ما بعد الأعياد، إذ تحوّلت مدارس كثيرة إلى مراكز إيواء مكتظّة، ما يجعل استئناف الدراسة، حالياً، مستحيلاً.

 

أمّا في المناطق المتاخمة لتلك التي تشهد أعمالاً حربية، فتبدو العودة إلى التعليم مُعقّدة، مع اختلاف المقاربات بين مدرسة وأخرى. ففي مدن مثل صيدا، يحتاج التلامذة أولاً إلى دعم نفسي نتيجة الخوف والضغط، بينما يرفض بعض تلامذة الصفين السابع والثامن الأساسيَّيْن العودة إلى المدرسة، معتبرين أن الأمر بلا جدوى.

 

في البقاع، الوضع الإنساني صعب أيضاً، إذ لم يتعافَ المجتمع المدرسي بعد من آثار عدوان 2024 الذي أسفر عن سقوط شهداء من التلامذة والمعلمين. في هذه الظروف، يؤكد المديرون أنهم لا يستطيعون الضغط على الأهالي أو التلامذة أو الأساتذة للعودة إلى التعليم.

 

في المقابل، يختلف الوضع في الشمال، حيث لم تتحوّل سوى ثلث المدارس إلى مراكز إيواء وتظل الظروف أكثر استقراراً. ويرى المديرون أن عدداً كبيراً من المدارس قادر على الانتقال إلى التعليم الحضوري، علماً أن غالبية المدارس هناك اعتبرت الأيام العشرة الفاصلة بين الموعد الرسمي لاستئناف الدراسة وعطلة عيد الفطر فترة تجريبية لإعادة التواصل مع التلامذة وتنشيط حضورهم.

 

المديرون يشدّدون على أن مقارنة هذه التجربة بالتعليم عن بعد أثناء جائحة «كورونا» غير دقيقة، فحينها كان الأهالي متواجدين إلى جانب أولادهم. أمّا اليوم، فإن الكثير من التلامذة وحدهم في المنازل، بينما يعمل الأهالي في ظروف صعبة، ما يزيد من صعوبة متابعة التعليم، خصوصاً في الصفوف الأولى. وفي الوقت نفسه، يبرز هاجس تكريس فجوة تعليمية أو طبقية، مع إصرار المدارس الخاصة على مواصلة التعليم بأي ثمن.

 

هكذا، تواجه المدارس الرسمية تحدّياً مزدوجاً: الحفاظ على صلة التلامذة بالتعليم، مع ضرورة معالجة الواقع النفسي الصعب الذي يعيشه كثير منهم بفعل الحرب. وفي الوقت نفسه، يبدو أن وزارة التربية لم تكن مستعدّة بشكل كافٍ للتعامل مع الأزمة. فغياب خطة تربوية واضحة يترك المدارس في موقع ردّ الفعل بدل المبادرة، ويجعل استمرار التعليم في ظل الحرب أشبه بمحاولة عابرة لتمرير الدروس كيفما كان.