Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر January 23, 2026
A A A
التصعيد مكلف… «إسرائيل» تعترف
الكاتب: نمر أبي ديب

كتب نمر أبي ديب في “البناء”

 

 

بالرّغم من فائض القوة… من موازين القوى الجديدة، وسكرة النّصر الّتي يعيشها المحور الأميركي، “الحرب الإسرائيلية على لبنان مكلفة” لن تكون نزهة، وسوف يكون لها تداعيات مباشرة وقاسية، على كيان الاحتلال الإسرائيلي، الّذي يعيش اليوم أزمات داخلية عديدة، سياسية وأيضاً قانونية من شأنها إعادة ترتيب المشهد الداخلي في “إسرائيل” وفق أسس وعناوين تحاكي مرحلة ما بعد بنيامين نتنياهو، الذي يمثّل اليوم، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ازدواجية عابرة “للجغرافيا السيادية”، تخطت في أبعادها الاستراتيجية، “ضوابط الصراع التقليدي”، الّذي لامس من بوابة الترجمات العسكرية للأحلام التوسُّعية نفق “الحرب الكبرى”، ذات الإطار الواسع والشامل، الّذي دخلت من خلاله متدرّجات التكيُّف العالمي مع أمر واقع عسكري فرضه “الصّلف الأميركي” القائم مع انتخاب ترامب على رهان جمهوري خاطئ وضع الولايات المتحدة الأميركية في دائرة الشراكة الاستراتيجية شبه الكاملة، مع أهداف ومخططات ساهمت في وضع الكونغرس أمام تحدّيات سياسية، وقرارات، بدأت بانتقاد سياسات ترامب، وقد لا تنتهي مستقبلاً بـ عزل الرئيس، الخيار الّذي يراه البعض مستحيلاً في هذه المرحلة.

في سياق متصل شكّل التحذير الّذي أطلقته “هآرتس”: مقاربة إسرائيلية موضوعية، تحاكي من خارج إطار الدعاية المركّبة وسكرة النصر القاتلة حقيقة المشهد العسكري على الحبهة الشمالية لـ فلسطين المحتلة، إذ يؤكد الإعلام العبري، على أنّ التصعيد العسكري مع حزب الله له تداعيات قاسية خطيرة، في مقدّمتها شلّ المستوطنات الشمالية بشكل كامل، يُضاف إلى ما تقدّم، “دفع سكّان الشّمال للنزوح” مرة أخرى.

ما تقدّم تضمن من حيث المعطيات المتوفرة داخلياً، أو تلك الصادرة عن “الاستخبارات الإسرائيلية” نفسها تحذير الحدّ الأدنى، إذ يؤكد الخطاب الإسرائيلي على “تعافي حزب الله”، تنظيمياً وحتى عسكرياً، في حين أكّدت جميع التقارير المعلن عنها إسرائيلياً، أنّ حزب الله أعاد ترتيب وترميم بنيته العسكرية، ويتمتّع اليوم بقدرات صاروخية، تفوق من حيث الكميّة كما النوعية ما كان عليه الحال في بدايات “حرب الإسناد” ما شكّل على مسرح التطورات الإقليمية، منطلقاً جديداً أُلقي من خلاله الضوء على جملة اعتبارات سياسية وعسكرية وحتى أمنية من بينها: “القدرة الصاروخية وإصابة العمق الإسرائيلي”.

مما لا شك فيه أنّ إعادة ترميم “القدرات الصاروخية”، المرفقة بإرادة بشرية منتصرة، وقدرة على إصابة العمق الإسرائيلي تراكم استراتيجي، يمنح الحزب بعد سلبيات الحرب الأخيرة، فرصة تجميع النقاط، وهذا ليس بجديد على الساحة اللبنانية ولا حتى أمراً طارئاً أو تراجعاً سياسياً وعسكرياً بعد سقوط الانتفاخ النوعي، وتجريد حزب الله من “شارات النصر الخيالي”، الملحق بـ زمن الانتصارات، هنا تجدر الإشارة، إلى أنّ “انتصار تجميع النقاط”، معادلة كرَّسها سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله حين اعتبر أنّ الانتصار بالضربة القاضية، عامل ميداني استثنائي لم تتوفر ظروفه العسكرية والتقنية بعد.

ثانياً “القتال البرّي”، انطلاقاً من أنّ الحروب الحديثة لا تحسم نتائجها من الجو، يبقى “للحرب البرّية” واقع مختلف، مرفق بـ مسار استثنائي ذات بعد استراتيجي نابع من إطار تنفيذي ميداني، يُفرَض في كلّ من دول الصراع، وميادين الحروب الاقليمية وحتى الدولية، إذ يؤكّد ما تقدّم على عناوين أساسية بارزة في مقدمتها التكامل العسكري ما بين المؤثّرات العسكرية الناتجة عن تفوّق سلاح الجو، وبين إنجازات القطع العسكرية، البحرية منها والبرية، الّتي تملك على مستوى الحسم، “مفتاح النصر” الاستراتيجي الكبير، القادر على “تثبيت النتائج” وإرساء التوازنات العسكرية، بما يخدم وينسجم، مع مصالح القوى المنتصرة، وموازين القوى الجديدة.

بالرغم من سياسات التصعيد الإسرائيلي، وجو المنطقة العام، وجد بنيامين نتنياهو، في حرب لبنان حدثاً ميدانياً لا مفرّ منه، بالرغم من كلفته البشرية العالية، والحالة التدميرية التي يمكن أن يُمنى بها الداخل الإسرائيلي، كون الحرب الشمالية مع لبنان من وجهة نظر بنيامين نتنياهو ضرورة عسكرية في مرحلة متغيّرات وجودية الهدف منها تطويع لبنان كلّ لبنان، وخطوة إلزامية على مسار الإلحاق الفعلي لـ “لبنان الجديد” بـ “الشرق الأوسط الأميركي”، السؤال: هل يُقدِم رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو، على ما قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتراجع عنه، بعد تهديده إيران…؟

نتحدث اليوم عن حدث مبدّل في هوية لبنان، وأيضاً في موقعه السياسي، على خارطة النفوذ العالمي في ساحل المتوسط، نتحدث اليوم عن حرب “إسرائيلية” يُراد لها أن تكون قاسمة، تقف “إسرائيل” جامدة أمام تكلفتها البشرية وأيضاً أمام تأثيرها الوجودي على مستوطنات الشمال، إذ يُصيب الفشل الاستراتيجي في حربٍ وجودية كهذه فكرة الاستيطان بمقتل، نتيجة بيئة استيطانية غير متجانسة، لا يشدّها عصب، ولا تُلزِمُها جغرافيا، لا يملك فيها اليهود أحقيّة وجود رغم التأويلات الكثيرة، والتحريف الممنهج، الهادف إلى إضفاء “روح الشرعية التاريخية”، على ما يسمّى “إسرائيل الكبرى” أو “الدولة اليهودية”.

“التصعيد العسكري مع لبنان، مكلف لكيان الاحتلال الإسرائيلي، كذلك غضّ النظر، إذ يرى مراقبون أنّ الكيان خاسر على المسارين، في حين أنّ حزب الله رابح، بمجرّد إتمام التعافي وبقاء السلاح…