Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر March 15, 2026
A A A
التراث ضحية صامتة في الحرب… ومع كل حجر ينهار جزء من ذاكرة لبنان وهويته
الكاتب: ربى أبو فاضل - الديار

حرب همجية تشن على لبنان تطال الحجر والبشر على حد سواء فالعدو لا يعرف خطوطا حمراء في هجماته مستهدفا الحاضر والماضي والذاكرة الجماعية لشعب يتمسك بأرضه رغم كل هذه الهمجية في بلد تختلط الحضارات القديمة بالحياة اليومية تحمل الارض آثارا تمتد لآلاف السنين من الحضارات الفينيقية والرومانية والعثمانية، باتت المواقع الأثرية والتراثية مهددة مع تصاعد الحرب المدمرة.

 

هذه المواقع ليست مجرد حجارة قديمة بل جزء من الهوية الثقافية للشعب اللبناني ومع استمرار هجمات العدو يطرح سؤال خطير هل يتحول التراث إلى ضحية صامتة للحرب أم إلى هدف استراتيجي يمحو ذاكرة المكان؟ فبينما يمكن إعادة بناء المنازل والطرق بعد انتهاء الحرب فإن ضياع الآثار قد يكون خسارة لا يمكن تعويضها، لأن سقوط حجر أثري قد يعني سقوط جزء من تاريخ أمة كاملة.

 

مواقع تاريخية في دائرة الخطر

 

يعد لبنان من أغنى دول الشرق الأوسط بالتراث الثقافي إذ يضم مواقع تاريخية عالمية ذات قيمة استثنائية مثل بعلبك وصور وجبيل وعنجر التي تمثل حضارات متعاقبة تشكل جزءا من التراث الإنساني ومع تصاعد العمليات العسكرية في مناطق الجنوب والبقاع وغيرها من المناطق يضع هذه المواقع تحت تهديد مباشر من القصف فضلا عن الأضرار غير المباشرة الناجمة عن الانفجارات المحيط بها.

 

كارثة ثقافية على الإنسانية جمعاء

 

ويؤكد عالم الآثار والأستاذ الجامعي في الجامعة اللبنانية جعفر فضل الله أن “الجنوب اللبناني يملك مخزونا تاريخيا وأثريا وطبيعيا يعادل ما هو موجود على بقية الأراضي اللبنانية ومع ذلك لم تنج هذه المواقع من آلة الدمار الإسرائيلية، في ما يراه مقصودا لتدمير ذاكرة الأجداد ومحو الحضارات، وهو أمر خطير على الإنسانية جمعاء”.

 

القانون الدولي عاجز عن الحماية

 

الدكتور روني خليل أستاذ تاريخ في الجامعة اللبنانية اكد أن “الخطر الحقيقي يكمن في استهداف مواقع أثرية عمرها آلاف السنين تمثل ثروة ثقافية وسياحية وحضارية لا يمكن تعويضها” مستشهدا بما حدث في سوق النبطية والمنازل الأثرية في صور وصيدا التي دمرت بالكامل” وأضاف ” القانون الدولي والإجراءات الحالية لا تكفي لتحييد هذه المواقع ” مستحضرا أمثلة في العراق وسوريا حيث دمرت الحروب آثارا تاريخية دون تدخل فعال من اليونسكو أو أي جهة دولية، “فالتاريخ علمنا أن الحروب دائما كانت تدمر التراث دون أي تعويض فعال”.

 

بدورها، أشارت عالمة الآثار ورئيسة جمعية “بلادي” جوان بجالي إلى أنه “عندما يكون القصف قريبا جدا من المواقع الأثرية يكون هناك تهديد حقيقي لهذه المواقع بسبب اهتزاز الأرض وتأثير ذلك على متانة البناء فالبناء الروماني مضاد للزلازل لكنه ليس مضادا لسلاح الجو الإسرائيلي”.

 

تدمير التراث… محو للهوية

 

ويشير خبراء آخرون إلى أن تدمير التراث لا يقتصر على خسارة معمارية بل يمثل ضربا للهوية والذاكرة الجماعية إذ مواقع مثل صور وجبيل وبعلبك ليست مجرد آثار محلية بل جزء من تاريخ الحضارة المتوسطية المرتبطة بوجود الشعوب على أرضها وتدميرها يمكن استخدامه كوسيلة لإعادة رسم الجغرافيا الثقافية وإضعاف ارتباط السكان بأرضهم فالقضاء على المواقع التاريخية يعني محو أدلة تاريخية تثبت عمق الحضارة والوجود الإنساني في المنطقة.

 

ويؤكد الخبراء على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية تشمل التوثيق الرقمي الشامل لكل المواقع وإعداد خرائط دقيقة وتسليمها للجهات الدولية وإنشاء مخازن آمنة لنقل القطع الأثرية إلى جانب تعزيز الحماية القانونية الدولية للتراث خلال الحروب .

 

استهداف التراث جريمة حرب

 

استهداف إسرائيل للأماكن الأثرية والدينية لا يبرره ظرف الحرب، بل يهدف إلى محو الذاكرة الجماعية للشعب وتجريده من عناصر هويته وتغيير معالم الأرض فالمواقع التراثية والمعالم التاريخية ليست مجرد حجارة بل أدلة مادية على الإرث الثقافي والحضاري، وتوثق وجود وتعاقب حضارات وثقافات مختلفة على هذه الأرض عبر آلاف السنين بما يتعارض مع الأيديولوجيا الصهيونية القائمة على مفهوم “أرض الميعاد”.

 

يشار إلى أن لبنان صنف 34 موقعا ضمن “الحماية المعززة” ووضعت شارات “الدرع الأزرق” على عدد منها وبحسب اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية التراث الثقافي يعتبر استهداف المعالم الأثرية جريمة حرب.

 

نهب وتدمير الآثار منذ 1982

 

وتعرض التراث اللبناني للنهب والتدمير على مر العقود خصوصا على يد الاحتلال الإسرائيلي منذ 1982 مع سرقة آلاف القطع الأثرية من كامد اللوز والنبطية وصور ومزارع شبعا مع تدمير متعمد للمواقع وبحسب وزارة الثقافة تشير الإحصاءات حتى عام 2022 إلى أن ما لا يقل عن 434 قطعة أثرية سرقت من لبنان ووضعت على لائحة ART Loss Register مع استرجاع نحو 15 قطعة فقط أي أقل من 4% من مجمل المسروقات.