Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 15, 2026
A A A
الاقطاعية الرقمية… حين تغيرت الارض وبقيت التبعية!..

كتبت د. وديعة الأميوني    

يعرف اللبناني الاقطاع بوصفه جزءا من تاريخ اجتماعي وسياسي طويل، لم تكن فيه الارض مجرد ملكية، بل مصدرا للثروة والنفوذ والحماية والولاء.

 

كان الاقطاعي يملك الارض، والفلاح يحتاج اليها، فنشأت بينهما علاقة تتجاوز الاقتصاد الى التبعية الاجتماعية والسياسية. ومع انتهاء الاقطاع بصورته التقليدية، تبدلت اشكال السلطة، لكن سؤالا واحدا بقي قائما: من يملك المورد الذي يحتاج اليه الآخرون في المجتمع المعاصر؟

 

 

 

 

في عصرنا الرقمي، لم تعد الارض وحدها مصدر القوة حيث حلّت المنصات والبيانات والبنية الرقمية مكانا متقدما في انتاج الثروة وتنظيم العلاقات والوصول الى السوق والمعلومة والجمهور. نحن ندخل هذه المنصات بارادتنا، نعمل ونتواصل ونسوّق وننتج المحتوى من خلالها، ونترك في المقابل بياناتنا ووقتنا وانتباهنا، بل ننتج قيمة داخل فضاء لا نملك أدنى قواعده!

 

 

 

وهنا تبدأ المقاربة مع الاقطاع القديم. فكما كان الفلاح يعمل في ارض لا يملكها، يعمل المستخدم الرقمي اليوم داخل منصة لا يملكها. وكما كان الاقطاعي يحدد شروط الانتفاع من ارضه، تحدد المنصة شروط المشاركة في فضائها، فيما تمنح الخوارزميات اصحابها قدرة واسعة على ترتيب المعلومات وتحديد الظهور والوصول.

 

 

 

وهذه هي المفارقة: قام الاقطاع القديم على التبعية للحاجة الى الارض، بينما يقوم الاقطاع الرقمي الحديث على الحاجة الى المنصة التي يحتاجها العامل للوصول الى السوق، وصانع المحتوى الى جمهوره، والمؤسسة الى زبائنها، والمستخدم للتواصل والمعلومة والخدمات. وكلما اتسعت الحاجة، اتسعت سلطة من يملك المنصة!

 

 

 

في المقابل، لا يعني ذلك اننا عدنا الى العصور الوسطى ونحن في خضم الثورة الصناعية الخامسة، ولا ان كل اقتصاد رقمي يمثل اقطاعا. فالجدلية التي نطرحها حول ما اذا كان مصطلح «الاقطاع الرقمي» يصف نظاما جديدا ام شكلا متطورا من الرأسمالية، حيث اصبحت البيانات والمنصات ادوات جديدة لتركيز الثروة والنفوذ، وتوزعت مصادر القوة من امتلاك الارض، الى امتلاك رأس المال، وصولا الى امتلاك البيانات والبنية التي تنظم حركة الناس داخل العالم الرقمي.

 

 

 

 

لقد تغيرت الارض، وتغير الفلاح، وتغير الاقطاعي، لكن منطق القوة لم يتغير كثيرا، فمن يملك الموارد التي لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها، يمتلك قدرة على التأثير فيهم، وحتى هزيمتهم. علمًا ان الفلاح القديم كان يعرف ارضه ويعرف صاحبها. اما «الفلاح الرقمي» اليوم، فقد يزرع كل يوم بياناته ووقته ومحتواه في ارض شاسعة لا يعرف حتى اين تبدأ حدودها! فهل انتهى الاقطاع، ام انه انتقل فقط من الارض الى الشاشة؟.