Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر December 31, 2025
A A A
الاقتصاد اللبناني في 2025: استقرار حذر وتشريعات تتوّج بقانون الفجوة المالية في نهاية السنة
الكاتب: سلوى بعلبكي - النهار

 

لم يكن عام 2025 عاماً عادياً في لبنان، إذ شهدت البلاد بعد سنوات من المراوحة والأزمات المتراكمة، سلسلة من الخطوات التشريعية والتنظيمية والإدارية، أعادت تحريك الراكد من ملفات الكهرباء والاتصالات والمالية العامة والأزمة المصرفية. وعلى الرغم من بقاء الانهيار المالي دون معالجة جذرية حتى اللحظة، رسمت الأحداث المتتالية خلال العام 2025 ملامح مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة الانهيار إلى محاولة بناء مسار إصلاحي تدريجي، توجته الحكومة بإقرارها مشروع قانون الفجوة المالية.

 

 

مع بداية شباط، خرج لبنان من مرحلة فراغ سياسي ودستوري ثقيل، بعدما تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، حملت منذ يومها الأول شعار “الإصلاح أولاً”، واضعة في سلم أولوياتها إعادة انتظام العمل المؤسساتي، وإعادة هيكلة القطاعات الأكثر تضرراً، وفي مقدمها الكهرباء والقطاع المصرفي والمالية العامة.

 

وقد أتى البرنامج الوزاري مؤكداً الاتجاه نحو إصلاحات بنيوية طال انتظارها، شملت تحديث الإطار القانوني للقطاعات الأساسية، وضع خطة للتعافي المالي، وتفعيل البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تحسين المناخ الاستثماري عبر تشريعات تعيد الثقة المفقودة.

 

ومع حلول نيسان، مرر مجلس النواب تعديلا مهما لقانون السرية المصرفية، يتيح للجهات الرقابية والقضائية الوصول إلى حسابات مصرفية تمتد بياناتها إلى ما قبل 10 أعوام. هذا التعديل أعاد فتح الباب أمام محاربة التهرب الضريبي وتتبع مصادر الأموال، والتوسع في التحقيق بالمخالفات المالية التي راكمت جزءاً كبيراً من الأزمة. وبرأي خبراء اقتصاديين، يشكل هذا التعديل قاعدة ضرورية لأي عملية إصلاح مصرفي جدية.

 

وفي الشهر عينه، حصل لبنان على قرض بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي، خصص لتطوير شبكات الكهرباء وتحسين الجباية وتعزيز مشاريع الطاقة المتجددة، وربط بشروط تقنية ورقابية صارمة اعتبرت خطوة أولى على طريق إصلاح قطاع كان لعقود أحد أبرز أسباب استنزاف المالية العامة.

 

مع منتصف السنة، صدرت تقديرات دولية تشير إلى إمكان تحقيق لبنان نمواً اقتصادياً بحدود 4.7% خلال 2025، مدفوعاً بعودة الحركة السياحية ونمو التجارة وارتفاع تحويلات المغتربين. ورغم أن هذا النمو لا يعد دليلاً على خروج فعلي من الأزمة، إلا أنه يعكس قدرة الاقتصاد على التقاط أنفاسه بسرعة، شرط توافر حد أدنى من الاستقرار. وفي السياق عينه، حافظ سعر صرف الليرة اللبنانية خلال 2025 على استقرار نسبي عند 89,500 ليرة، برعاية مصرف لبنان، بما ساهم في الحد من التقلبات الحادة في الأسعار ونسب التضخم.

 

في 11 أيلول 2025، شكل منح مجلس الوزراء ترخيصاً رسمياً لشركة Starlink لتقديم خدمة الإنترنت الفضائي في لبنان، منعطفاً بارزاً في قطاع الاتصالات اللبناني. فيما جرى في الجلسة عينها، تعيين محمد مروان جمال رئيساً للهيئة الناظمة للكهرباء، وجيني جميل رئيسة للهيئة الناظمة للاتصالات، إلى جانب تعيين الأعضاء الأساسيين، بما أعاد تفعيل قوانين ظلت معطلة لأعوام، والتأسيس لبيئة أعمال أكثر شفافية.

 

في أواخر 2025، بدأت الحكومة في بلورة مشروع قانون توزيع الخسائر المالية المتراكمة منذ 2019، والتي تجاوزت عشرات مليارات الدولارات. المشروع الذي أقره مجلس الوزراء في نهاية السنة، تضمن تحديداً لأدوار الدولة والمصارف والمودعين، وسداداً تدريجياً لصغار المودعين، وآليات طويلة الأجل لتسديد الودائع الأكبر، عبر أدوات مدعومة بأصول مصرف لبنان، مع إخضاع المصرف المركزي لتدقيق جنائي.

 

ورغم حساسية الملف، فإن وضع هذا القانون يمثل أول محاولة فعلية لإعادة التوازن المالي وشرطا أساسياً لأي اتفاق مستقبلي مع صندوق النقد الدولي.

 

إلى ذلك، وفي سابقة هي الأولى في تاريخ ديوان المحاسبة تم تغريم وزراء اتصالات بملايين الدولارات لمصلحة الخزينة. إذ أصدر الديوان حكماً هو الأول من نوعه في تاريخ الجمهورية، بفرضه عقوبات مالية مشددة على عدد من وزراء الاتصالات السابقين، ملزماً إياهم برد مبالغ ضخمة إلى الخزينة عبر سندات تحصيل بلغت 36.5 مليون دولار، مع احتمال إضافة نحو 20 مليون دولار أخرى تبعاً لنتيجة الدعوى المتعلقة بمبنى قصابيان.
والأهم أن قرار ديوان المحاسبة لم يبق حبراً على ورق، بل ترجم بخطوات تنفيذية واضحة، توجت بإصدار وزارة الاتصالات سندات تحصيل رسمية وإحالتها إلى وزارة المال.

 

أنهى لبنان عام 2025 محملاً بتحديات اقتصادية ووعود إصلاحية رُحل تنفيذ بعضها إلى عام 2026. غير أن جوهر المرحلة لا يكمن في إطلاق وعود جديدة، بل في القدرة على حسم الخيارات الصعبة التي سيحدد نجاحها أو فشلها شكل الاقتصاد اللبناني ومستقبله في السنوات المقبلة.